رفيق عبد السلام
عضو المكتب التنفيذي لحزب حركة النهضة، وزير الخارجية التونسي الأسبق
قد يبدو هذا العنوان مثيرًا بعض الشيء في وقتٍ لا يزال فيه دونالد ترامب يتصرّف كما لو أن قوته لا تُردّ، في الداخل والخارج الأميركيين، وهو يخوض معاركه على جبهاتٍ متعددة بلا توقف أو تردد. فكيف يمكن الحديث عن عالم ما بعد ترامب، ونحن لا نزال نعيش في قلب الترامبية، ونشهد اندفاعها في الساحتين الأميركية والدولية؟. ... الجواب بكل بساطة أن مظاهر القوة التي تطفو على الترامبية ليست دائمًا دليلًا على رسوخها، وكثرة الضجيج السياسي الذي تثيره لا تقوم دليلًا على ثباتها. فما يبدو اليوم اندفاعًا ترامبيًّا بلا حدود قد يكون، في حقيقة الأمر، مؤشرًا قويًّا على انحسار الموجة الشعبوية التي أطلقها ترامب، وبداية استنزاف قدرتها على استثمار الأزمات الداخلية والخارجية، ومن ثم بدأت تصطدم بالتناقضات التي صنعتها، وبالكلفة الثقيلة لسياساتها المغامرة في أميركا والساحة الدولية.
حين نتحدّث عن ترامب، لا نتحدث هنا عن شخص بعينه ساقته الظروف السياسية إلى قيادة البيت الأبيض لولايتين غير متتاليتين فحسب، بل عن ظاهرة شعبوية بمواصفات أميركية خاصة، تختلط فيها نزعات التعصب القومي والاستعلاء العرقي والديني مع ميراث إمبريالي قوي، استثمرت في مخاوف قطاعاتٍ من المجتمع الأميركي، وأطلقت العنان لنزعات التعصب والعنصرية، وجعلت من العداء للمهاجرين والمسلمين والأقليات إحدى أدوات التعبئة السياسية، مثلما كان انتخاب باراك أوباما قبل ذلك تعبيرًا عن الوجه الآخر لأميركا المتعدّدة والمتسامحة، التي أتاحت لرجل أسود الوصول إلى البيت الأبيض وقيادة القرار السياسي في القوة الأولى في العالم.
لقد مثّل انتخاب أوباما صدمة لقطاعاتٍ محافظة من المجتمع الأميركي، خصوصًا بين البيض البروتستانت في المناطق الريفية عامة والولايات الجنوبية خاصة، والفئات الدنيا من الطبقة الوسطى التي شعرت بأن مكانتها الاجتماعية والثقافية تتعرّض للتآكل بفعل التحولات الديمغرافية ووطأة العولمة. والتقت هذه المخاوف مع نزعات اليمين الإنجيلي المحافظ، ومع مصالح شبكات النفوذ والمال، لتشكّل قاعدة سياسية واجتماعية صلبة لترامب.
لقد جعل ترامب من منافسيه المنحدرين من أصول دينية وعرقية مغايرة مادّة للقدح والاستخفاف بغرض الاستثمار في سياسة الخوف والتعصب. ومن هنا يمكن فهم إصراره على التشكيك في الهوية الأميركية لأوباما، والتلميح إلى أصوله الأفريقية والإسلامية من خلال ترديد اسمه أوباما حسين. وفي السياق نفسه أيضاُ، تأتي حملاته التهكمية على الطبيب عبد الرحمن السيد، المعروف باسم عبدول السيد، الذي خاض منافسة سياسية عن الحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغن، حين تعمّد التلاعب باسمه والسخرية منه، مستخدمًا اسم "محمّد" في سياق استهزائي، وزاد في منسوب تعصبه الممتزج بالتهكم والسخرية بالقول: "إذا لم تعرفوا اسم أي شخص في الشرق الأوسط، فنادوه محمد". طبعًا، ترامب رئيس سطحي التفكير وضحل الثقافة، ولكنه سياسي ماكر، وثرثرته الشعبوية محسوبة وموجهة لجمهور من جنسه يريد أن يستثير في دواخله مخزون التعصّب والكراهية ضد الملونين.
في هذه الأجواء، تكتسب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، المقرّرة الثلاثاء المقبل أهمية استثنائية، لأنها تأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط على الجمهوريين، وتتسع فيه مؤشّرات الاستياء من أداء إدارة ترامب. وتفيد استطلاعات الرأي والتقديرات الانتخابية المنشورة بأن الديمقراطيين في موقع قوي لاستعادة مجلس النواب، ولا يُستبعد أيضًا أن تكون لهم الغلبة في مجلس الشيوخ، رغم صعوبة المنافسة.
الأهم من الحسابات الانتخابية المباشرة هو الدلالة السياسية لهذه الانتخابات، فإذا فقد الجمهوريون مجلس النواب سيكون هذا ضربة مباشرة لترامب، وإذا تمكن الديمقراطيون من انتزاع مجلس الشيوخ معه، فستكون محنة ترامب أشد، والأرجح أن تحمل هذه النتيجة مؤشرًا قويًا على بداية إسدال الستار عن الحقبة الترامبية الكريهة. فنهاية الترامبية، بهذا المعنى، لا تبدأ يوم يغادر ترامب البيت الأبيض، بل حين تفقد قدرتها على توسيع قاعدتها، وحين تتحول سياساتها من مصدر للتعبئة إلى عبء على أصحابها، وحين تبدأ المؤسسات والناخبون والحلفاء في مقاومة كلفتها المتزايدة، ويبدو أن المشهد السياسي الأميركي يقترب من هذه اللحظة.
لم يكن صعود ترامب حدثًا معزولًا عن السياق التاريخي والسياسي للولايات المتحدة، فقد صعد أوباما من قبله في ظل استياء واسع من الحروب التي خاضها المحافظون الجدد مع إدارة جورج بوش الابن، فضلًا عن الأزمة المالية التي ضربت الولايات المتحدة عام 2008. ومثّل انتخابه، في جانب منه، أملًا في تجاوز هذه الإخفاقات وفتح صفحة جديدة في السياسة الأميركية. لكن انتخاب أوباما كشف، على الجهة الأخرى، عمق المقاومة التي واجهها التحوّل لدى قطاعات واسعة من البيض البروتستانت خصوصًا. وفي هذا المناخ، وجد ترامب ضالته في بناء حركة سياسية تستثمر المخاوف من التغير الديمغرافي والهجرة، ومن تراجع الامتيازات التاريخية التي تمتّعت بها قطاعات من الأغلبية البيضاء، المتقاطعة مع التأثيرات الثقيلة لحركة العولمة على الفئات الدنيا والمراكز الصناعية التقليدية. غير أن هذا المشروع الترامبي بدأ يصطدم بحدوده، وبتعثّره في الأزمات الداخلية والخارجية التي صنعها بنفسه، فالولايات المتحدة تظل مجتمعًا متعدّد الأعراق والأديان، وقد أسهمت الهجرة ونضالات الحقوق المدنية والتحوّلات الاجتماعية في توسيع مفهوم المواطنة فيها، بما يجعل من الصعوبة بمكان إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. وهنا إحدى مفارقات الترامبية الكبرى؛ فهي بنت قوتها على استثمار أزمات حقيقية، لكنها لم تستطع أن تجعل من الشعارات الشعبوية سياسة اقتصادية واجتماعية قادرة على معالجة جذور الاستياء. ومع الوقت، ازدادت الفجوة بين الوعود والنتائج، وأصبح ذلك مصدرًا لتآكل الثقة، حتى لدى قطاعاتٍ دعمت ترامب في البداية.
إذا كانت الترامبية قد عمّقت الانقسام داخل الولايات المتحدة، فإن آثارها الخارجية قد تكون أشد خطورةً على المديين، القريب والبعيد، فترامب يرفع شعار استعادة عظمة أميركا، ولكنه في الحقيقة عمل ويعمل على تبديدها وإضعافها، فالحروب التجارية التي يشنها أو يهدد بها، وطاولت الخصوم والحلفاء، والتهديد بالاستيلاء على كندا وغرينلاند وغيرهما، لم تعزّز بالضرورة أرصدة القوة الأميركية، بقدر ما دفعت شركاءها إلى النأي عنها وتنويع علاقاتهم الاقتصادية والاستراتيجية. وهي، إلى جانب هذا، منحت منافسي الولايات المتحدة فرصًا لتوسيع نفوذهم. وحين تتحول الرسوم الجمركية والتهديدات الاقتصادية إلى لغة دائمة في التعامل مع الحلفاء، تخاطر واشنطن بتقويض شبكة العلاقات التي كانت أحد أهم مصادر تفوقها العالمي، فالقوة الأميركية لم تقم على حجم الاقتصاد والقدرات العسكرية والتكنولوجية وحدها، بل استندت أيضًا إلى شبكة التحالفات التي أقامتها، والقدرة على استخدام قوتها الناعمة للتغطية على استعمال القوة الخشنة.
وتزداد المخاطر حين تتداخل الضغوط الاقتصادية مع المواجهات العسكرية والتوتّرات الإقليمية التي أشعلها ترامب، فالمواجهة مع إيران، وما يرتبط بها من اضطرابٍ في أسواق الطاقة والتجارة بسبب إغلاق مضيق هرمز، ثم أزمة باب المندب، وقبل ذلك الحرب الروسية الأوكرانية المفتوحة، كلها بصدد هزّ الاقتصادين، الأميركي والعالمي. كما أن الدعم الأميركي غير المشروط لدولة الاحتلال، في ظل الدمار الواسع في غزّة، واستمرار الاستيطان والتوسع في الضفة الغربية والتوترات على الجبهة اللبنانية، يفاقم أزمة الثقة بالسياسة الأميركية، سيما في العالمين العربي والإسلامي.
وهكذا، أسهمت الترامبية التي وعدت باستعادة القوة الأميركية في إدخال الولايات المتحدة في مآزق متعدّدة، إذ إنها عمّقت الانقسامات الداخلية، وزادت التوتر مع الحلفاء، وحوّلت الاقتصاد والتجارة إلى ساحتين لحرب باردة مفتوحة، وربطت السياسة الخارجية بإيقاع المواجهة المستمرة مع الخصوم والحلفاء. وفي الوقت الذي تنشغل فيه واشنطن بهذه الصراعات، تجد القوى المنافسة فرصة لتوسيع علاقاتها، وتعزيز قدرتها التنافسية وحضورها العالمي، وفي مقدّمتها الصين الآخذة في الانتشار الناعم عبر التجارة والثقافة والاستثمار.
وحاصل القول، العالم الذي يلي ترامب لن يكون بلا ترامبية بالضرورة، لكنه قد يكون عالمًا انتهت فيه قدرة الترامبية على الهيمنة، وبدأت فيه الولايات المتحدة تدفع ثمن المرحلة التي حاولت فيها استعادة قوتها عبر الصدام، فإذا بها تفتح لمنافسيها أبوابًا أوسع للصعود.

