نسفت القيادة الإيرانية كافة مساعي الاحتواء الدبلوماسي التي تقودها الدوحة وإسلام آباد عبر التلويح بحرب مفتوحة تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية وتضع المنطقة على شفا الانفجار.

 

وتفرض المؤسسة العسكرية في طهران واقعاً ميدانياً متفجراً يرهن مصير الاستقرار الإقليمي بمعادلات قسرية ترفض التنازل وتستعد لخوض مواجهة شاملة تعيد رسم خريطة الصراع.

 

مقامرة المرشد وتوسيع بنك الأهداف

 

ومن هذا المنطلق، يدفع المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بالبلاد نحو حافة الهاوية عبر إصدار توجيهات صارمة للقوات المسلحة بالرد الفوري وغير المحدود جغرافياً على أي تهديد خارجي.

 

وعلاوة على ذلك، تصادر هذه الأوامر العليا أي هامش للمناورة السياسية من خلال الإصرار على أن طهران وحدها هي من يمتلك قرار تحديد توقيت وشروط إنهاء أي حرب مقبلة. 

 

وفي السياق ذاته، تفرض قمة الهرم السلطوي حالة من الاستنفار القصوى عبر مطالبة الأجهزة الأمنية بتعزيز قدراتها الاستخباراتية والدفاعية ومضاعفة خطوط إنتاج الذخائر والأسلحة النوعية.

 

وبالتوازي مع ذلك، تتجه المؤسسة العسكرية لتحديث قوائم الاستهداف لتشمل كافة الأصول الأميركية والإسرائيلية المادية والمعنوية في خطوة غير مسبوقة تضاعف من مخاطر الانزلاق الشامل.

 

ونتيجة لهذه التوجهات، تتحول كافة القواعد والمصالح الغربية في الشرق الأوسط إلى ساحات اشتباك محتملة تدفع ثمنها دول الجوار التي تسعى لتجنب تداعيات الصراع.

 

فضلاً عن ذلك، يعكس هذا التصلب رغبة النظام في الهروب من أزماته الداخلية المتفاقمة عبر تصدير التوتر إلى الخارج وفرض معادلة ردع قائمة على حافة الهاوية.

 

وفي هذا الإطار، يرى الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية والاستراتيجية الدكتور صادق زيباكلام أن اندفاعة السلطة نحو عسكرة المشهد الخارجي تستنزف مقدرات الدولة وتقود البلاد إلى عزلة دولية مدمرة.

 

كما يوضح زيباكلام أن الرهان المستمر على توسيع رقعة الأهداف العسكرية يغلق كافة نوافذ الحلول العقلانية ويضع الشعب الإيراني في مواجهة مباشرة مع كوارث اقتصادية وعسكرية طاحنة.

 

وبناءً على ما سبق، تمثل هذه التوجيهات رسالة تحدٍ سافرة لواشنطن وتل أبيب تنذر بتحويل أي شرارة محدودة إلى حريق إقليمي يلتهم كافة مسارات التهدئة.

 

عسكرة الدبلوماسية وإشعال الحرائق الإقليمية

 

وعلى صعيد متصل، تتناغم تصريحات قادة الجيش مع توجهات المرشد لتكريس خطاب القوة وإغلاق الأبواب أمام أي مراجعة سياسية قد تجنب المنطقة ويلات الدمار.

 

وفي هذا الصدد، يطلق المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا تحذيرات شديدة اللهجة تؤكد أن أي تحرك عسكري أميركي سيؤدي حتماً إلى توسيع رقعة الحرب خارج الحدود.

 

وإلى جانب ذلك، يتخلى وزير الخارجية عباس عراقجي عن لغة الدبلوماسية التقليدية ليتبنى خطاباً عسكرياً يتوعد فيه بالتصدي الحاسم لكل من يحاول المساس بالداخل الإيراني.

 

ومن ثم، يظهر هذا التطابق التام بين الجناحين السياسي والعسكري هيمنة العقلية الأمنية على مفاصل القرار في طهران وتهميش الأصوات الداعية للتهدئة وبناء الثقة.

 

وبالإضافة إلى ذلك، يؤدي هذا الخطاب المتشنج إلى تقويض الأمن الإقليمي ووضع الممرات المائية وإمدادات الطاقة العالمية تحت رحمة الحسابات العسكرية الضيقة للنظام الإيراني.

 

وفي المقابل، تستثمر المؤسسة الحاكمة في حالة الاستقطاب الحاد لتبرير قبضتها الحديدية ومواصلة إنفاق المليارات على البرامج التسليحية على حساب التنمية والاستقرار المعيشي للمواطنين.

 

وحول هذه النقطة، يؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة طهران الدكتور أحمد زيد آبادي أن تطابق خطاب الخارجية مع المؤسسة العسكرية يلغي دور الدبلوماسية الوقائية ويحولها إلى مجرد صدى للميدان.

 

ويضيف زيد آبادي أن التلويح المستمر بنقل المعركة إلى خارج الحدود يفتقر إلى الحسابات الاستراتيجية الواقعية ويستدرج القوى الكبرى لتدمير البنية التحتية الحيوية للبلاد.

 

وهكذا، تتحول التصريحات الرسمية إلى وقود إضافي يغذي ماكينة التصعيد ويجعل من اندلاع المواجهة الشاملة مسألة وقت في ظل غياب قنوات الردع السياسي الفعالة.

 

تعنت طهران وإجهاض مساعي الوسطاء

 

ورغم هذه الأجواء الملبدة بالغيوم، تواصل كل من قطر وباكستان بذل جهود دبلوماسية حثيثة ومتواصلة للحيلولة دون استئناف العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران.

 

وفي ضوء هذه المساعي، يجري الوفد القطري الذي وصل إلى طهران مباحثات معقدة مع المسؤولين الإيرانيين لمحاولة انتزاع فتيل الأزمة وإيجاد أرضية مشتركة للتفاهم.

 

غير أن هذه التحركات المكوكية تصطدم بجدار صلب من التعنت الإيراني الذي يصر على تغليب لغة السلاح والردع الميداني على مسارات التفاوض والتهدئة السياسية.

 

وبالتالي، تتسع الفجوة بشكل خطير بين أطراف النزاع في ظل تمسك طهران بشروطها القصوى ومواصلة واشنطن وتل أبيب التلويح بالخيار العسكري لحسم الملف.

 

وعلى هذا النحو، تفرغ القيادة الإيرانية وساطات الحلفاء الإقليميين من مضمونها عبر إطلاق رسائل التصعيد العسكري بالتزامن مع وجود الوفود الدبلوماسية على أراضيها.

 

فضلًا عن ذلك، يضع هذا السلوك المتصلب الوسطاء في حرج بالغ ويكرس قناعة دولية بأن النظام الإيراني يستخدم المفاوضات فقط لكسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقه العسكرية.

 

وفي هذا السياق، يشير المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية الدكتور فريدون مجلسي إلى أن التعامل مع المبادرات الإقليمية بمنطق المغالبة يفقد طهران آخر أوراقها الدبلوماسية.

 

كما يشدد مجلسي على أن إصرار صناع القرار على لغة التهديد أثناء وجود الوسطاء يدمر الثقة الدولية ويدفع المنطقة نحو مواجهة عسكرية صفرية لا رابح فيها.

 

وختاماً، يبقى المشهد الإقليمي معلقاً على فوهة بركان ينتظر لحظة الانفجار ما دامت طهران ترفض الاستجابة لصوت العقل وتصر على المضي قدماً في مقامرتها العسكرية.