نفى موقع «مدى مصر» تنازل رئيسة تحريره لينا عطا الله عن حقها في استئناف الحكم الصادر بتغريمها 3 ملايين جنيه وإغلاق الموقع ومصادرة معداته، وذلك ردًا على بيان أصدره مجلس القضاء الأعلى، ثم عدّل صياغته بعد حذفه بساعتين، وأكد فيه أن الصحفية سددت الغرامة وتنازلت كتابة عن حقها في الطعن على الحكم.

 

وأثار البيان جدلًا واسعًا، بعدما تضمن في نسخته الأولى تبريرًا لقرار المحكمة رفض طلب هيئة الدفاع تأجيل نظر القضية، قبل أن تختفي هذه التفسيرات من النسخة المعدلة، مع الإبقاء على الإشارة إلى تنازل لينا عطا الله عن الاستئناف، وهو ما نفته هيئة الدفاع بشكل قاطع، مؤكدة أنها اتخذت بالفعل إجراءات الطعن على الحكم، لكنها واجهت صعوبات في الحصول على صورة رسمية منه وملف القضية.

 

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على الإجراءات التي شهدتها محاكمة رئيسة تحرير «مدى مصر»، والاتهامات التي وجهها فريق الدفاع إلى رئيس المحكمة، فضلًا عن استمرار تعثر محاولات الموقع الحصول على ترخيص رسمي لممارسة نشاطه الصحفي منذ سنوات.

 

 

حكم بالغرامة وإغلاق الموقع

 

بدأت الأزمة يوم الثلاثاء 27 أكتوبر، عندما أصدرت الدائرة التاسعة بمحكمة جنح القاهرة الجديدة حكمًا ضد لينا عطا الله، في القضية رقم 11743 لسنة 2026، بتغريمها 3 ملايين جنيه، وإغلاق موقع «مدى مصر» الذي تتولى رئاسة تحريره، إلى جانب مصادرة معداته وأجهزته.

 

وجاء الحكم على خلفية اتهام عطا الله بإدارة موقع إلكتروني دون الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وصدر من أول جلسة، بالعقوبة التي وصفها موقع «مدى مصر» بأنها الحد الأقصى للعقوبة المقررة في القضية.

 

وخلال نظر المحاكمة، طلب فريق الدفاع الحصول على مهلة للاطلاع على أوراق القضية والاستعداد للمرافعة، إلا أن المحكمة رفضت طلب التأجيل، وقررت انتداب محامٍ للدفاع عن رئيسة التحرير، رغم حضور هيئة دفاعها الموكلين عنها.

 

وأثارت هذه الإجراءات اعتراضات المحامين، الذين اعتبروا أن رفض التأجيل وعدم تمكينهم من الحصول على صورة من أوراق القضية، إلى جانب انتداب محامٍ آخر، أخل بحق المتهمة في الدفاع عن نفسها من خلال فريقها القانوني الذي اختارته.

 

 

بيان القضاء يتغير خلال ساعتين

 

ونشرت الصفحة الرسمية لمحكمة النقض على موقع فيسبوك بيانًا صادرًا عن مجلس القضاء الأعلى، ردًا على ما وصفه المجلس بالتشكيك في ضمانات المحاكمة في قضية «مدى مصر».

 

وتضمن البيان الأول نفيًا لما جرى تداوله بشأن الإخلال بضمانات المحاكمة، معتبرًا أن الوقائع الواردة بمحاضر الجلسات تدحض هذه الاتهامات، كما استعرض الإجراءات التي اتخذتها المحكمة خلال نظر القضية.

 

وأشار المجلس إلى أن النيابة العامة أحالت لينا عطا الله للمحاكمة بتهمة تأسيس وإدارة موقع إلكتروني قبل الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، موضحًا أنها حضرت الجلسة برفقة كامل هيئة دفاعها، التي قدمت مذكرة بطلباتها وطلبت تأجيل نظر القضية للاطلاع على أوراقها.

 

لكن البيان الأول لم يكتفِ بعرض هذه الوقائع، بل تضمن تبريرًا مباشرًا لرفض المحكمة طلب التأجيل، إذ ذكر أن هيئة الدفاع أصرت على طلبها، وأن المحكمة رأت في ذلك إطالة غير مبررة لأمد التقاضي، واعتبرت أن القضية أصبحت صالحة للفصل فيها.

 

وأضافت الصياغة الأولى أن المحكمة انتدبت محاميًا للدفاع عن المتهمة، ومكنته من الاطلاع على الأوراق وإبداء دفاعه، باعتبار ذلك إجراءً يهدف إلى ضمان وجود مدافع عنها.

 

وبعد نحو ساعتين من نشر البيان، حذفت الصفحة المنشور الأول، وأعادت نشر نسخة جديدة في الساعة 11:41 مساءً، بعد إدخال تعديلات على الفقرة المتعلقة بتعامل المحكمة مع طلب الدفاع تأجيل القضية.

 

 

حذف تبريرات رفض طلب الدفاع

 

كشف التدقيق الذي أجراه موقع «مدى مصر» بين نسختي البيان أن التعديل الأساسي انصب على الفقرة التي تناولت طلب هيئة الدفاع الحصول على مهلة للاطلاع على أوراق القضية.

 

ففي النسخة الأولى، قدم مجلس القضاء الأعلى تفسيرًا لرفض التأجيل، مستندًا إلى السلطة التقديرية للمحكمة، واعتبار أن الاستجابة لطلب الدفاع قد تؤدي إلى إطالة أمد التقاضي دون مبرر، رغم طلب المحامين الاطلاع على ملف القضية.

 

أما النسخة الثانية، فحذفت هذه التفسيرات بالكامل، واكتفت بالقول إن المحكمة أتاحت الاطلاع لهيئة الدفاع لكنها امتنعت، ثم انتدبت محاميًا للمتهمة ومكنته من الاطلاع وإبداء دفاعه.

 

وبذلك انتقل البيان من تقديم مبررات تفصيلية لقرار المحكمة إلى صياغة مختصرة تحمل هيئة الدفاع مسؤولية عدم الاستفادة من فرصة الاطلاع، دون الإبقاء على العبارات التي وردت في النسخة الأولى بشأن رفض التأجيل والسلطة التقديرية للقاضي.

 

ولم يقتصر البيان المعدل على هذه التغييرات، بل تضمن تأكيدًا أثار اعتراض فريق الدفاع، إذ ذكر أن لينا عطا الله نفذت الحكم فور صدوره، وسددت الغرامة البالغة 3 ملايين جنيه، وتنازلت كتابة عن حقها في الاستئناف، ووقعت على النموذج المعد لذلك.

 

 

دفاع لينا عطا الله ينفي التنازل

 

في مواجهة رواية مجلس القضاء الأعلى، أصدر فريق الدفاع عن لينا عطا الله بيانًا الأحد، نفى فيه بصورة قاطعة تنازلها عن حقها في الطعن على الحكم، مؤكدًا أنها لم تتنازل في أي وقت عن الاستئناف خلال المواعيد القانونية المقررة.

 

وأوضح المحامون أنهم توجهوا إلى نيابة القاهرة الجديدة لاتخاذ إجراءات الاستئناف على الحكم الصادر في 27 أكتوبر، لكنهم لم يتلقوا ردًا على طلبهم حتى نهاية يوم الأحد، كما لم يتمكنوا من الحصول على ملف القضية أو صورة رسمية من الحكم.

 

وأشار البيان إلى أن هذه الإجراءات تعوق تحرك فريق الدفاع لاستكمال المسار القانوني للطعن، خاصة في ظل عدم تسلمه المستندات اللازمة للاطلاع على تفاصيل الحكم وأسبابه.

 

وأكد الفريق أن ما ورد في بيان مجلس القضاء الأعلى بشأن التنازل المكتوب لا يعكس موقف لينا عطا الله، التي تتمسك بحقها في الاستئناف، رافضًا ما تضمنه البيان من تأكيدات بشأن انتهاء حقها في الطعن.

 

 

شكاوى ضد رئيس المحكمة

 

ولفت فريق الدفاع إلى أنه بدأ اتخاذ إجراءات قانونية اعتراضًا على ما وصفه بالخروقات الإجرائية منذ انتهاء جلسة المحاكمة في 27 أكتوبر، حيث تقدم بشكوى إلى رئيس محكمة القاهرة الجديدة، طالب فيها بالتحقيق في ملابسات إدارة الجلسة والإجراءات التي اتخذتها المحكمة.

 

وتضمنت الشكوى، وفق بيان الدفاع، وقائع تتعلق بحرمان المحامين من الحصول على صورة من أوراق القضية، وانتداب محامٍ لتمثيل المتهمة رغم وجود هيئة دفاعها، فضلًا عن عدم إثبات اعتراضات لينا عطا الله ومحاميها الموكلين في محضر الجلسة.

 

كما اتهم الدفاع رئيس المحكمة بإثبات طلبات في المحضر ونسبتها إلى المحامي المنتدب، رغم أن الأخير لم يطلع على الأوراق، إلى جانب رفض إثبات طلب هيئة الدفاع رد رئيس المحكمة أو تنحيته عن نظر الدعوى.

 

وفي 29 أكتوبر، صعّد الفريق تحركاته بتقديم شكوى إلى مساعد وزير العدل لشؤون التفتيش القضائي، أرسلها بالبريد المسجل بعلم الوصول، وتضمنت تفاصيل إضافية بشأن ما جرى خلال المحاكمة.

 

ومن بين الوقائع التي أوردتها الشكوى، اتهام رئيس المحكمة بعقد جزء من الجلسة في غير علانية ودون مسوغ قانوني، بعد إخلاء القاعة، فضلًا عن إثبات طلبات على لسان المحامي المنتدب رغم أن الدفاع قال إنه لم يتحدث بها أو يتقدم بها خلال الجلسة.

 

وأضاف المحامون أنهم لم يتلقوا حتى الآن إخطارًا بمصير الشكاوى المقدمة، كما لم يُستدعَ أي من أعضاء فريق الدفاع لسماع أقوالهم، ومن بينهم الممثل القانوني لنقابة الصحفيين، الذي حضر الجلسة وشهد وقائعها.

 

 

أزمة ترخيص مستمرة منذ 2018

 

ولا تقتصر قضية لينا عطا الله على الحكم الصادر بحقها، وإنما ترتبط أيضًا بمسار طويل من المحاولات التي خاضها موقع «مدى مصر» للحصول على ترخيص رسمي لممارسة نشاطه الصحفي، وفقًا لقانون تنظيم الصحافة والإعلام.

 

وبحسب الموقع، تقدم بطلب إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للحصول على الترخيص في عام 2018، لكنه لم يتلق ردًا على طلبه. وبعد صدور اللائحة التنفيذية للقانون عام 2020، تقدم بطلب جديد، دون أن يحصل على رد أيضًا.

 

وفي عام 2022، وخلال تحقيق استُدعيت إليه لينا عطا الله، علمت بأن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رفض طلب الترخيص، دون إخطار الموقع رسميًا بالقرار أو تقديم أسباب كافية تفسر رفضه.

 

وعلى إثر ذلك، طعن الموقع قضائيًا على قرار الرفض، فيما تقدم بطلب آخر للحصول على الترخيص في عام 2023، لكنه ظل معلقًا دون رد حتى وقت صدور الحكم الأخير.