تكشف مؤشرات حرمان الأطفال في مصر عن تحديات متفاقمة تهدد بناء رأس المال البشري، في ظل استمرار أوجه القصور في قطاعات الصحة والتعليم والتغذية، واتساع الفجوات التنموية بين المناطق الريفية والحضرية.

 

وترى الدكتورة هويدا عدلي رومان، أستاذة العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، أن حرمان الأطفال لا يقتصر على انعكاساته المباشرة على مستوى معيشتهم، بل يمثل آلية أساسية لإعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال، وتقويض فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع تراجع جودة الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات التضخم وأسعار الغذاء.

 

وفي دراسة نشرتها «مبادرة الإصلاح العربي»، تحلل الكاتبة العلاقة بين انخفاض مؤشر رأس المال البشري في مصر ومؤشرات حرمان الأطفال، لا سيما في مجالات الصحة والتعليم والتغذية، إلى جانب الفقر متعدد الأبعاد والتفاوتات الجغرافية والنوعية، وتطرح مجموعة من التوصيات لإعادة توجيه السياسات الاجتماعية نحو الاستثمار المتكامل في الأطفال والأسر والمجتمعات المحلية.

 

 

رأس المال البشري في مصر.. ركود المؤشرات وتراجع جودة التعليم والصحة

 

يمثل بناء رأس المال البشري عملية تراكمية تبدأ في مرحلة الطفولة، بل وحتى قبل الولادة، وتستمر طوال مراحل الحياة. وتنطلق هذه العملية من الاستثمار في صحة الأم الحامل وتغذيتها، ثم تمتد إلى صحة الطفل وتغذيته وتعليمه في المراحل اللاحقة.

 

ولا يقتصر هذا الاستثمار على الإنفاق الاجتماعي الذي لا يحقق عائدًا اقتصاديًا مباشرًا، بل تتجاوز عوائده زيادة دخل الفرد عند بلوغه سن العمل إلى تعزيز الاقتصاد بأكمله ورفع الناتج المحلي الإجمالي. وتشير التقديرات إلى أن كل دولار يُستثمر في تنمية رأس المال البشري، ولا سيما الصحة والتعليم، يحقق عائدًا يصل إلى 11.39 دولارًا في الناتج المحلي الإجمالي.

 

وفي أحدث نسخة معدلة من مؤشر رأس المال البشري المعزز (HCI+) لعام 2026، سجلت مصر 161 نقطة من إجمالي 325 نقطة، ما يضعها ضمن نطاق المستويات المنخفضة لرأس المال البشري. وبغض النظر عن التعديلات المتتالية التي يجريها البنك الدولي على منهجية احتساب المؤشر، فإن نتائجه، رغم اختلاف أساليب القياس وتطورها، لا تزال تؤكد استمرار أوجه القصور في الاستثمار في الأطفال بمصر، خصوصًا في الصحة والتعليم والتغذية.

 

وتحذر الدراسة من أن استمرار الوضع الراهن يهدد الأجيال الحالية والمستقبلية، بما يحمله ذلك من تداعيات على المجتمع والاقتصاد.

 

وتهدف الدراسة إلى تحليل العلاقة بين انخفاض مؤشر رأس المال البشري في مصر ومؤشرات حرمان الأطفال، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والتغذية، فضلًا عن مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد والنتائج المترتبة عليها.

 

وتقدم هذه المؤشرات صورة أكثر شمولًا من المؤشر الحالي، إذ تكشف عن الفجوات التنموية بين المناطق الريفية والحضرية، وهي تفاوتات ينبغي مراعاتها عند تصميم التدخلات التنموية. وفي هذا السياق، تؤكد الدراسة ضرورة توسيع نطاق المؤشرات المستخدمة لقياس رأس المال البشري في مصر، مع مراعاة التفاوتات الجغرافية بصورة أكثر دقة عند إعداد النسخ المعدلة من المؤشر.

 

وعلى مستوى السياسات العامة، تسعى الدراسة إلى التأكيد على أهمية الاستثمار في الأطفال من منظور متكامل، بما يسهم في تحسين مؤشر رأس المال البشري وتحقيق فوائد تمتد إلى الأسر والمجتمع والاقتصاد.

 

ويتكون رأس المال البشري من المعارف والمهارات والقدرات الصحية للأفراد، التي تتراكم وتتطور على مدار حياتهم، بما يمكنهم من تحقيق إمكاناتهم باعتبارهم أعضاء منتجين في المجتمع. ويسهم الاستثمار في الإنسان، من خلال توفير التغذية والرعاية الصحية والتعليم الجيد وفرص العمل وتنمية المهارات، في تعزيز هذا الرصيد.

 

وقد تطورت منهجيات قياس رأس المال البشري بسرعة خلال السنوات الأخيرة، منذ إطلاق البنك الدولي مشروع رأس المال البشري. وتضمنت النسخة الأولى من المؤشر مجموعة من المؤشرات الفرعية المرتبطة بالتعليم والصحة، وتراوحت قيمها بين صفر وواحد.

 

وسجلت مصر 0.49 نقطة على هذا المؤشر، ما يعني أن الطفل المولود وقت صدور المؤشر لن يتمكن من تحقيق سوى 49% من إمكاناته الإنتاجية عند بلوغه سن العمل، نتيجة عدم حصوله على تعليم جيد ورعاية صحية متكاملة.

 

وأظهرت بعض المؤشرات الفرعية تفاوتًا واضحًا في مستويات الأداء؛ إذ سجلت احتمالات بقاء الأطفال على قيد الحياة حتى سن الخامسة مستوى مرتفعًا، بواقع 98 طفلًا من كل 100 طفل.

 

وبلغ متوسط سنوات الدراسة المتوقعة للطفل في مصر 11.5 عامًا، بدءًا من سن الرابعة وحتى الثامنة عشرة. لكن هذا الرقم ينخفض إلى 6.5 أعوام عند تعديله وفقًا لجودة التعلم، أي عند قياس المعارف والمهارات التي اكتسبها الطفل فعليًا خلال سنوات الدراسة.

 

ويبرز هذا التراجع دور ضعف جودة التعليم في تقويض رأس المال البشري، وهو ما تؤكده نتائج متوسط درجات الطلاب المصريين في الاختبارات الدولية الموحدة، التي سجلت 356 نقطة على مقياس يتراوح بين 300 و625 نقطة، بما يعكس انخفاض مستوى جودة التعليم.

 

وتبدو النتائج أكثر قتامة عند تحليل بيانات مؤشر رأس المال البشري المعدل وفقًا لمعدلات الاستفادة من القدرات الإنتاجية (UHCI)، إذ تنخفض قيمة المؤشر في مصر إلى 0.20 نقطة. ويركز هذا المؤشر على قياس نسبة السكان في سن العمل الملتحقين بالتوظيف، مع مراعاة مدى الاستفادة الفعلية من رأس المال البشري في سوق العمل.

 

وتعني هذه النتيجة أن الأطفال المولودين وقت نشر المؤشر لن يتمكنوا من استغلال سوى 20% من إمكاناتهم الإنتاجية عند بلوغهم سن العمل.

 

والأكثر إثارة للقلق أن المؤشر المعدل يكشف عن فجوة كبيرة بين الجنسين؛ إذ سجل الذكور 0.30 نقطة، مقابل 0.09 نقطة فقط للإناث. وتختلف هذه النتيجة عن المؤشر غير المعدل، الذي أظهر تقاربًا كبيرًا بين الجنسين، مع تفوق طفيف للإناث، حيث سجلن 0.51 نقطة مقابل 0.48 نقطة للذكور.

 

ومع صدور النسخة المطورة من مؤشر رأس المال البشري لعام 2026، سجلت مصر 161 نقطة من إجمالي 325 نقطة، لتظل ضمن الفئة المنخفضة. وبلغت درجة الإناث 134 نقطة، مقابل 186 نقطة للذكور، ما يبرز اتساع الفجوة بين الجنسين.

 

ويتكون المؤشر المطور من ثلاثة مؤشرات فرعية تشمل الصحة والتعليم والتوظيف، مع دمج المؤشرين الأخيرين ضمن مقياس واحد. وسجل مؤشر الصحة 43 نقطة من أصل 50، بينما بلغ مؤشر التعليم 95 نقطة من أصل 188، ولم يتجاوز مؤشر التوظيف 22 نقطة من أصل 87.

 

وترى الدراسة أن المؤشرات الفرعية التي يعتمد عليها البنك الدولي لقياس الصحة والتعليم لا تزال غير كافية لتعكس الواقع الفعلي للقطاعين في مصر.

 

فقد اقتصر قياس الصحة على مؤشرين فقط، هما احتمالات البقاء على قيد الحياة حتى سن الستين، واحتمالات عدم الإصابة بالتقزم، متجاهلًا مؤشرات مهمة مثل الأنيميا ونقص الوزن والسمنة ووفيات الأطفال، وهي عناصر تعكس مجتمعة الحالة الصحية والغذائية للأطفال.

 

وبالمثل، اقتصرت مؤشرات التعليم على سنوات الدراسة المتوقعة ونتائج التعلم وإتمام التعليم الجامعي. وسجل المؤشران الأخيران قيمًا منخفضة بصورة لافتة، ما يشير إلى مشكلات تتعلق بجودة التعليم وتراكم أوجه عدم المساواة عبر مراحله المختلفة.

 

ورغم أن البيانات الرسمية تؤكد اقتراب معدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي من 100%، فإن معدل إتمام التعليم الجامعي لا يتجاوز 26 نقطة من أصل 100.

 

 

حرمان الأطفال في مصر.. فقر متعدد الأبعاد وفجوات صحية وغذائية وتعليمية

 

تكشف مؤشرات حرمان الأطفال، التي تشمل الفقر والصحة والتغذية والتعليم، عن استمرار انخفاض مستويات رأس المال البشري في مصر، مع تفاوتات واضحة بين الفئات العمرية والمناطق الجغرافية والجنسين.

 

تشير نتائج تحليل الفقر متعدد الأبعاد في مصر إلى معاناة 16.9% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين صفر و17 عامًا من هذا النوع من الفقر، ما يعني أن طفلًا واحدًا من كل ستة أطفال يواجه الحرمان في بُعدين أو أكثر من أبعاد الرفاه.

 

وتكشف النتائج عن أن الأطفال دون الخامسة هم الأكثر تعرضًا للحرمان، بنسبة تبلغ 20.8%.

 

كما تظهر تفاوتات واضحة بين الريف والحضر؛ إذ يبلغ معدل الفقر بين الأطفال الريفيين الذين تتراوح أعمارهم بين صفر وأربعة أعوام 23.9%، مقابل 14.7% في المناطق الحضرية. ويرتفع المعدل بين الأطفال من صفر إلى 17 عامًا في الريف إلى 21%، مقابل 9.6% في الحضر.

 

أما الفروق بين الجنسين، فتبدو محدودة نسبيًا؛ إذ تبلغ نسبة الفقر متعدد الأبعاد 16.6% بين الذكور، مقابل 17.2% بين الإناث.

 

 

الحرمان الصحي والغذائي

 

ترتبط مؤشرات الصحة والتغذية ارتباطًا وثيقًا؛ إذ تتأثر صحة الطفل بصحة الأم خلال الحمل والرضاعة، ومدى توافر الرعاية الصحية، فضلًا عن نوعية الغذاء وكميته.

 

ورغم تحسن العديد من المؤشرات خلال العقد الماضي، أظهرت بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021 تراجعًا في هذا المؤشر، الذي يمثل عاملًا رئيسيًا في تحديد الحالة الصحية للأطفال، بما يشمل معدلات الوفيات ونقص الوزن والطول وغيرها.

 

وتبرز الأنيميا باعتبارها إحدى المشكلات الصحية الأساسية التي تواجه الأطفال، لا سيما خلال الفئة العمرية من 6 إلى 59 شهرًا، وهي مرحلة محورية في النمو البدني والعقلي والنفسي، ما يفسر تركيز العديد من التدخلات الصحية على أول ألف يوم من حياة الطفل.

 

ووفقًا للمسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021، بلغت نسبة الإصابة بالأنيميا الخفيفة 21%، والمتوسطة 21%، والشديدة 1%، ما يعني معاناة نحو 43% من الأطفال في هذه الفئة العمرية من درجات متفاوتة من الأنيميا.

 

وبمقارنة هذه الأرقام بنتائج المسح الديموجرافي والصحي لعام 2014، يتضح ارتفاع معدل الإصابة من 27% إلى 43% خلال الفترة بين عامي 2014 و2021.

 

وتكشف البيانات أيضًا عن تفاوتات جغرافية واضحة، خصوصًا في محافظات الصعيد؛ إذ يبلغ انتشار الأنيميا 45.2% في المناطق الحضرية والريفية مجتمعة، ويرتفع إلى 46.7% في ريف الصعيد، بينما يصل إلى ذروته في المحافظات الحدودية بنسبة 49.1%.

 

ولا تقتصر المشكلة على الأطفال دون الخامسة، بل تمتد إلى الفئات العمرية الأكبر، لتتحول إلى مشكلة مزمنة تحمل أبعادًا جغرافية ونوعية. ووفقًا للمسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021، تبلغ نسبة انتشار الأنيميا بين الإناث في الفئة العمرية من 10 إلى 19 عامًا 34%، مقابل 29% بين الذكور.

 

أما معدلات التقزم بين الأطفال دون الخامسة، فتبلغ 12.8%، وترتفع إلى 15.2% في محافظات الصعيد، و16.2% في ريف الصعيد، و16.3% في المحافظات الحدودية. كما تصل النسبة بين أفقر ربع من السكان إلى 16.8%.

 

وبلغ معدل وفيات الأطفال دون الخامسة 28 حالة وفاة لكل ألف مولود حي، مقابل 24 حالة في المناطق الحضرية و32 حالة في المناطق الريفية، ويرتفع المعدل إلى 39 حالة في ريف الصعيد.

 

وتشكل الأنماط الغذائية غير المتوازنة عاملًا إضافيًا في تفاقم هذه المشكلات. وتعرف منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» فقر الغذاء لدى الأطفال بأنه عدم قدرة الطفل على تناول نظام غذائي متنوع وغني بالعناصر الغذائية، يضم مجموعات غذائية مختلفة خلال مرحلة الطفولة المبكرة.

 

وبحسب تحليل بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021 ومسوح سابقة، أكدت اليونيسف في تقريرها العالمي بشأن فقر الغذاء لدى الأطفال أن 58% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهرًا يعانون من فقر الغذاء، إذ يتناولون أقل من خمس مجموعات غذائية من أصل ثماني مجموعات موصى بها.

 

ويعاني 36% من الأطفال في الفئة العمرية نفسها من فقر غذائي متوسط، إذ يستهلكون ثلاثًا أو أربع مجموعات غذائية، بينما يعاني 22% من فقر غذائي حاد، نتيجة استهلاك مجموعتين غذائيتين أو أقل.

 

وبالإضافة إلى معدلات التقزم، أظهرت نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021 أن 45% من الأولاد و42.2% من البنات، الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة وتسعة أعوام، يعانون من أوزان تقع خارج النطاق الطبيعي مقارنة بأطوالهم، ويعاني معظمهم من نقص الوزن.

 

وفي الفئة العمرية من 15 إلى 19 عامًا، بلغت النسبة 29.6% بين الذكور، مقابل 39.7% بين الإناث.

 

ولا تتوقف آثار سوء التغذية عند تدهور الحالة الصحية للأطفال، بل تمتد إلى زيادة احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة في مراحل لاحقة من حياتهم، فضلًا عن تراجع التحصيل الدراسي نتيجة القصور المعرفي وضعف القدرات الذهنية.

 

ولا يمكن فصل الاختلالات المتزايدة في الحالة الغذائية للأطفال عن الارتفاع المستمر في معدلات التضخم والزيادة الحادة المصاحبة له في أسعار الغذاء.

 

وفي هذا السياق، كشف مسح أجراه المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية على 6 آلاف أسرة فقيرة وأخرى قريبة من خط الفقر، بهدف رصد تأثير الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الغذاء على أنماط الاستهلاك، عن تعرض هذه الأسر للضرر الأكبر، نظرًا إلى تخصيصها النسبة الأكبر من دخلها للإنفاق على الطعام.

 

وأظهرت الدراسة أن 85% من الأسر التي شملها المسح خفضت استهلاك اللحوم، بينما قلص 75% من المشاركين استهلاك الدجاج والبيض، وهما من الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية التي تساعد على الوقاية من الأنيميا.

 

وتتوافق هذه النتائج مع مسح هاتفي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2022، كشف عن اضطرار 74% من الأسر إلى تغيير أنماطها الغذائية وتقليل استهلاك البروتين نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

 

 

الحرمان التعليمي وتراجع جودة مخرجات التعليم

 

تكشف تقارير توطين أهداف التنمية المستدامة، الصادرة عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، عن ابتعاد مصر عن تحقيق هدف التعليم الجيد.

 

ووفقًا لمنهجية القياس التي تعتمدها مصر، والمستندة إلى معادلة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تقيس أداء المحافظات على مقياس من صفر إلى 100 نقطة، تصدرت محافظة بورسعيد قائمة المحافظات المصرية برصيد 69 نقطة، بينما سجلت 14 محافظة أقل من 50 نقطة، وانخفض أداء تسع محافظات إلى نطاق يتراوح بين صفر و25 نقطة.

 

وتعد جودة التعليم والتفاوتات الجغرافية في فرص الحصول عليه من أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية، وتتحمل الفئات الأكثر فقرًا وطأة آثارها.

 

وترتبط معدلات التسرب من التعليم ارتباطًا وثيقًا بمستويات الفقر والمستوى التعليمي لرب الأسرة، لا سيما مع وجود عوامل تدفع الأطفال إلى الابتعاد عن المدارس، مثل ضعف جودة التعليم وارتفاع تكاليفه واحتياج الأسرة إلى عمل الطفل.

 

وتشير مؤشرات عديدة إلى تراجع جودة التعليم، بصورة أكثر حدة في المناطق الجغرافية الأكثر فقرًا.

 

وتكشف بيانات النشرة السنوية للتعليم قبل الجامعي للعام الدراسي 2023-2024، وكتاب «مصر في أرقام 2025»، عن ارتفاع ملحوظ في كثافة الفصول الدراسية، التي تبلغ ذروتها في المرحلة الابتدائية بمتوسط 50 طالبًا في الفصل الواحد، قبل أن تنخفض قليلًا إلى 48 طالبًا في المرحلة الإعدادية، ثم إلى 42 طالبًا في المرحلة الثانوية.

 

وتتصدر محافظات أسيوط والقليوبية والجيزة والمنيا قائمة المحافظات الأعلى من حيث كثافة الفصول في المرحلة الابتدائية؛ إذ يصل عدد الطلاب في الفصل إلى 56 طالبًا في أسيوط، و55 طالبًا في كل من الجيزة والقليوبية والمنيا.

 

ولا يختلف الوضع كثيرًا في المرحلة الإعدادية، حيث يصل عدد الطلاب في الفصل إلى 50 طالبًا أو أكثر في محافظات الجيزة وبني سويف والمنوفية والمنيا وأسيوط والفيوم والقليوبية.

 

وتنخفض كثافة الفصول قليلًا في المرحلة الثانوية، نتيجة معدلات التسرب عبر المراحل التعليمية المختلفة، لكنها تظل مرتفعة، إذ تصل إلى 44 طالبًا في الفصل الواحد.

 

ولا تنفصل الكثافة المرتفعة للفصول عن تراجع جودة التعليم، إذ تسهم في خلق بيئة مدرسية غير جاذبة للطلاب، وتحد من فرص حصولهم على تعليم فعال.

 

وعلى صعيد مخرجات التعلم، يشير تقرير اليونيسف إلى عجز أكثر من نصف الأطفال، بنسبة 56%، عن قراءة نص بسيط عند بلوغهم سن العاشرة.

 

كما أظهرت نتائج الدراسة الدولية للتقدم في القراءة (PIRLS) لعام 2021 وقوع 45% من طلاب الصف الرابع الابتدائي في مصر ضمن فئة المستوى المنخفض في مهارات القراءة.

 

واستمرت الفجوة بين الجنسين، مع تفوق البنات على الأولاد بفارق 16 نقطة في العام نفسه.

 

وأسفر تقييم وطني أجراه المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي في مصر عام 2021 عن نتائج مماثلة؛ إذ كشف عن عدم بلوغ 30.2% من طلاب الصف الرابع الابتدائي الحد الأدنى المتوقع من المهارات والمعارف، بينما لم يحقق المستوى المطلوب سوى 47.3% من الطلاب.

 

ورغم ارتفاع معدلات الالتحاق بالتعليم الابتدائي إلى أكثر من 95%، مع اختلافات طفيفة بين الريف والحضر، تتسع الفجوة كلما انتقل الطلاب إلى مراحل تعليمية أعلى.

 

وتنخفض معدلات الالتحاق بالتعليم الإعدادي إلى 78% على مستوى الجمهورية، وتتراجع إلى 73% في ريف الصعيد، ثم إلى 66.7% في المحافظات الحدودية.

 

وتزداد المشكلة في المرحلة الثانوية، حيث تبلغ معدلات الالتحاق 70% في المناطق الحضرية، مقابل 58% في المناطق الريفية.

 

وتنعكس هذه الفجوة على مؤشر فرص الحصول على التعليم، الذي يبلغ 63.3% في الحضر، مقابل 50.3% في الريف، بفارق 13 نقطة مئوية.

 

ويعني ذلك أن نحو نصف الشباب في سن التعليم الثانوي بالمناطق الريفية يتمتعون بفرص متكافئة للالتحاق بهذه المرحلة، مقارنة بنحو ثلثي الشباب في المناطق الحضرية. وتظل الفئات الأكثر فقرًا الأكثر عرضة للاستبعاد من التعليم في هذه المرحلة.

 

وتخلص الدراسة إلى أن أشكال الحرمان التي يعاني منها الأطفال تتداخل مع مناطق جغرافية محددة، ما يؤكد البُعد المكاني للفقر وما يصاحبه من تدهور الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية، فضلًا عن تفاقم أعباء سوء التغذية.

 

كما تؤكد القراءة الشاملة لمؤشرات حرمان الأطفال أنها لا تمثل مجرد نتيجة للفقر، بل تشكل آلية أساسية لإعادة إنتاجه عبر الأجيال، وتعطيل عملية بناء رأس المال البشري.

 

ويبدأ الحرمان منذ الولادة، كما توضح معدلات انتشار الأنيميا، ما يعني دخول ما يقرب من نصف الأطفال إلى المدارس وهم يعانون من أوجه قصور في مؤشرات النمو البدني والمعرفي والعقلي.

 

ثم يؤدي ضعف فرص الحصول على التعليم وجودته إلى جعل البيئة المدرسية أقل جاذبية، خصوصًا للفئات الأكثر هشاشة، وهو ما يهدر إمكانات الأطفال وقدراتهم قبل بلوغ سن العمل.

 

وبالطبع، أسهمت موجات التضخم المتتالية وارتفاع أسعار الغذاء في تفاقم هذه النتائج.

 

وتبعًا لذلك، تدعو الدراسة إلى إعادة النظر في مؤشر رأس المال البشري، وإدراج المؤشرات التي لا يشملها حاليًا، ووضع خطوط أساس واقعية ودقيقة للمؤشرات القائمة، بما يسمح بتقييم دور السياسات الاجتماعية والتدخلات التنموية في معالجة أوجه الحرمان المركب التي يعاني منها الأطفال.

 

وعلى مستوى السياسات، يتطلب الأمر تحولًا جذريًا من الاستجابات القطاعية المنفصلة إلى حزم متكاملة، ومن التوزيع المتساوي للموارد إلى استهداف المناطق الأكثر حرمانًا، ومن الإنفاق الاجتماعي إلى الاستثمار الاجتماعي، وأخيرًا من قياس حجم المدخلات إلى تقييم النتائج الفعلية.

 

 

 الاستثمار في الأطفال.. توصيات لإصلاح سياسات الصحة والتعليم والتغذية

 

تنطلق التدخلات المقترحة من اعتبار تحقيق تكافؤ الفرص المعيار الأساسي لنجاح السياسات الاجتماعية، وهو ما يستلزم وضع سياسات تستجيب للاحتياجات الفعلية للفئات الأكثر هشاشة والمناطق المهمشة التي تتركز فيها، مع استهداف الأسرة والمجتمع المحلي في الوقت نفسه.

 

ولا يقتصر الفقر والحرمان على تدني دخل الأسرة، بل يشمل أيضًا حرمان المجتمعات المحلية من خدمات صحية وتعليمية جيدة، وهو ما يؤكده مفهوم الفقر متعدد الأبعاد.

 

ومن ثم، ينبغي أن يتجه الاستثمار الاجتماعي إلى الأسرة من خلال الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية، وإلى المجتمع المحلي عبر التنمية الشاملة.

 

 

الانتقال من التدخلات القطاعية إلى البرامج المتكاملة

 

تعمل السياسات الحالية من خلال برامج منفصلة ومجزأة إلى حد كبير، ما يعجزها عن معالجة أوجه الحرمان المركب التي يعاني منها الأطفال.

 

ولذلك، تدعو الدراسة إلى إنشاء برنامج موحد للاستثمار في الأطفال، يدمج التدخلات الصحية والغذائية والتعليمية، مع العمل على سد الفجوات العمرية التي لا يحصل خلالها الأطفال على الخدمات أو الدعم.

 

ومن أمثلة ذلك الفترة الممتدة من عمر عامين حتى دخول المدرسة في سن السادسة، بالنسبة للأطفال المسجلين في برنامج «الألف يوم الأولى من حياة الطفل» والمنتمين إلى الأسر المستفيدة من برنامج الدعم النقدي المشروط «تكافل»، وكذلك الفترة الممتدة من الولادة حتى سن السادسة بالنسبة لبقية الأطفال، الذين لا يحصلون خلال هذه المرحلة على خدمات إلزامية سوى التطعيمات الدورية.

 

كما توصي الدراسة بتوسيع نطاق برامج التغذية وتحسين جودة المزايا المقدمة والتنسيق فيما بينها، من خلال مد مظلة برنامج «الألف يوم الأولى من حياة الطفل» لتشمل جميع الأطفال في المحافظات ذات معدلات الحرمان المرتفعة، بدلًا من قصر الاستفادة منه على أطفال الأسر المستفيدة من برنامج «تكافل»، الذي يغطي نحو 4.7 مليون أسرة.

 

ويتطلب ذلك أيضًا توسيع نطاق برنامج التغذية المدرسية ليشمل جميع أيام العام الدراسي، وتحسين جودة الوجبات وزيادة قيمتها الغذائية، من خلال التحول من ألواح البسكويت بنكهة التمر إلى وجبات ساخنة منتجة محليًا.

 

ولمعالجة الفجوة العمرية التي لا تغطيها برامج التغذية بين الألف يوم الأولى وبلوغ الطفل سن السادسة، تقترح الدراسة النظر في تبني إطار «أول 8 آلاف يوم في حياة الطفل»، الذي تدعو إليه مؤسسات تنموية دولية عديدة.

 

فعلى الرغم من الأهمية البالغة للألف يوم الأولى في دعم النمو البدني السريع للطفل وتطوره النفسي والعصبي والمعرفي، فإن هذه الفترة لا تكفي وحدها لضمان بناء رأس المال البشري، الذي يتطلب إطارًا زمنيًا أطول يبدأ من مرحلة ما قبل الولادة ويمتد حتى المراهقة.

 

ويستند هذا المفهوم إلى تقرير البنك الدولي بشأن صحة الأطفال والمراهقين ونموهم وتطورهم، الذي أكد أهمية الأيام السبعة آلاف التالية للألف يوم الأولى، باعتبارها مرحلة ضرورية لضمان بناء رأس المال البشري من حيث التحصيل التعليمي والصحة مدى الحياة.

 

ويتطلب ذلك استثمارات كبيرة في الصحة والتغذية والتعليم، بما يتناسب مع احتياجات كل مرحلة عمرية ومتطلباتها، إذ يؤدي القصور في التغذية والرعاية الصحية بعد الألف يوم الأولى إلى تقليص قيمة الاستثمارات التي ضُخت خلال تلك الفترة.

 

وتشمل التوصيات أيضًا تحسين جودة الخدمات المقدمة في وحدات الرعاية الصحية الأولية، خصوصًا في المناطق التي تشهد تراجعًا في مؤشرات صحة الأم والطفل، من خلال توفير التخصصات الطبية اللازمة وأجهزة التشخيص، وتخصيص عيادات للأطفال، وإنشاء برنامج إلزامي للأسر لمتابعة نمو أطفالها.

 

كما تدعو الدراسة إلى إعادة تفعيل الوحدات الصحية المدرسية، التي أدت دورًا مهمًا لعقود في متابعة نمو الأطفال من خلال فحوصات النظر والوزن وغيرها من المؤشرات التي تساعد على الوقاية المبكرة من المشكلات الصحية.

 

وتؤكد ضرورة كسر الحلقة المفرغة بين التعليم والفقر، من خلال معالجة جانبي العرض والطلب على التعليم في الوقت نفسه، وتوفير تعليم أساسي مجاني يضمن لكل طفل فرصة الالتحاق بالمدرسة، مع الإعفاء الكامل من المصروفات وتوفير الزي المدرسي والأدوات الدراسية.

 

وفي المقابل، ينبغي تحفيز الطلب على التعليم من خلال تحسين جودته وزيادة عوائده، عبر تدخلات متعددة، منها تطبيق برامج لتجميع الطلاب وفقًا لمستوياتهم في القراءة والكتابة والحساب، بدلًا من الاعتماد على تقسيمهم بحسب الصفوف الدراسية فقط، بما يساعد على تعويض الفجوات التعليمية.

 

 

الانتقال من التوزيع المتساوي للاستثمارات إلى الاستهداف الجغرافي

 

تكشف المؤشرات عن عدم توزيع الحرمان بصورة متساوية بين المحافظات والمناطق، وهو ما يستدعي ترتيب الأولويات الجغرافية وتوجيه الحصة الأكبر من الاستثمارات في الصحة والتعليم والغذاء إلى المحافظات الأكثر حرمانًا والمناطق الأشد فقرًا، لا سيما المناطق الريفية في صعيد مصر.

 

لا يمثل تغيير النظرة إلى الإنفاق الاجتماعي، باعتباره عبئًا على الموازنة بدلًا من كونه استثمارًا في المستقبل، مهمة سهلة، في ظل أعباء الديون ومدفوعات الفوائد التي تترك آثارًا سلبية خطيرة على مختلف أوجه الإنفاق الاجتماعي في مصر.

 

ومع ذلك، تؤكد الأدلة الاقتصادية أن الامتناع عن الإنفاق أو تقليصه يحمل مخاطر أكبر بكثير؛ إذ تؤثر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع مؤشر رأس المال البشري على الاقتصاد والمجتمع والأسر على حد سواء.

 

ومن هنا، تبرز ضرورة إعداد موازنة عامة تراعي احتياجات الأطفال وتضع مصالحهم في صميم أولويات الإنفاق العام، بما يضمن توجيه الموارد نحو تحسين صحتهم وتغذيتهم وتعليمهم، باعتبار ذلك استثمارًا طويل الأجل في مستقبل المجتمع والاقتصاد المصري.

 

https://www.arab-reform.net/publication/child-deprivation-in-egypt-alarming-indicators-and-a-threat-to-human-capital/