يرصد الصحفي المصري يونس علي، في تحليل نشره بموقع «العربي الجديد»، تصاعد الضغوط الأمنية والقانونية على وسائل الإعلام المستقلة في مصر، في ظل إغلاق مؤسسات صحفية وملاحقة صحفيين واحتجاز آخرين على ذمة التحقيق، ما يثير مخاوف من تراجع التعددية الإعلامية وانحسار المساحات المتاحة للعمل الصحفي المستقل. ويحذر صحفيون وحقوقيون من أن هذه الإجراءات لم تعد تستهدف أفرادًا بعينهم، بل امتدت إلى المؤسسات الإعلامية نفسها، بما يعزز مناخ الخوف والرقابة الذاتية ويقوض قدرة الصحافة على كشف أوجه القصور ومساءلة السلطات.

 

وفي تقرير نشره موقع «العربي الجديد»، تناول الكاتب تداعيات قرار محكمة جنح القاهرة الجديدة إغلاق موقع «مدى مصر» المستقل، وتغريم رئيسته التنفيذية ورئيسة تحريره لينا عطا الله 3 ملايين جنيه مصري، إلى جانب احتجاز صحفيين يعملون بمنصة «متصدقش» لتدقيق المعلومات، مستعرضًا تأثير هذه التطورات على العاملين في المجال الإعلامي، والتحديات القانونية التي تواجه المؤسسات الصحفية المستقلة في الحصول على تراخيص العمل.

 

 

ملاحقة المؤسسات الصحفية بدلًا من الصحفيين

 

أمرت محكمة جنح القاهرة الجديدة، في 27 أكتوبر، بإغلاق موقع «مدى مصر» الإخباري المستقل، وتغريم لينا عطا الله، رئيسة تحرير الموقع، 3 ملايين جنيه مصري، بما يعادل نحو 54 ألف دولار.

 

وفرضت المحكمة الحد الأقصى للعقوبة المنصوص عليها في قانون تنظيم الصحافة والإعلام خلال أولى جلسات نظر القضية، كما احتجزت عطا الله داخل قاعة المحكمة عقب صدور الحكم، قبل أن تفرج عنها بعد نحو سبع ساعات، إثر سداد المؤسسة قيمة الغرامة كاملة.

 

وجاء الحكم بعد نحو شهر من اعتقال قوات الأمن كامل فريق تحرير منصة «متصدقش»، وهي منصة مستقلة لتدقيق المعلومات، ويحمل اسمها معنى «لا تصدق» باللهجة المصرية.

 

ويقبع الصحفيون الستة المعتقلون، محمد أشرف أبو عميرة وعبد الله قدري وإسلام بركات ومحمد عادل ومحمد محمود وعمر هلال، رهن الحبس الاحتياطي، وفقًا لما ذكره المحامي نبيه الجنادي، عضو فريق الدفاع عن الصحفيين ولينا عطا الله.

 

ورغم اختلاف القضيتين، يتفق صحفيون ومنظمات حقوقية على أنهما تعكسان تحولًا في طبيعة الملاحقات، من استهداف الصحفيين بصورة فردية إلى استهداف المؤسسات الإعلامية ذاتها.

 

وقال الجنادي لموقع «العربي الجديد» إن القضيتين ليستا منفصلتين، بل تعكسان توجهًا لتضييق المساحة المتاحة للصحافة المستقلة، لمصلحة صوت إعلامي واحد.

 

وارتفع عدد الصحفيين المحتجزين في مصر من 18 إلى 25 صحفيًا خلال العام الماضي، وفقًا للجنة حماية الصحفيين، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد منذ عام 2021.

 

وتشير منظمة «مراسلون بلا حدود» إلى أن الدولة تسيطر على جميع المؤسسات الإعلامية المصرية تقريبًا، بينما احتلت مصر المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026.

 

وأسست عطا الله وزملاؤها موقع «مدى مصر» قبيل الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي عام 2013، ونجح الموقع في بناء سمعة مهنية بفضل تحقيقاته الصحفية التي تناولت الاقتصاد المصري والفساد والسياسة وحقوق الإنسان.

 

لكن طبيعة التغطيات التي يقدمها الموقع جعلته هدفًا للتحقيقات القانونية وحملات الهجوم التي يشنها معلقون موالون للحكومة، اتهموا غرفة الأخبار مرارًا بخدمة أجندات أجنبية.

 

وحجبت السلطات الموقع داخل مصر منذ مايو 2017، عندما أوقفت الوصول إلى «مدى مصر» و20 موقعًا إلكترونيًا آخر، كما استدعت صحفييه للتحقيق عدة مرات منذ ذلك الحين.

 

ويمثل قرار إغلاق الموقع نهائيًا تصعيدًا جديدًا في الإجراءات المتخذة ضده. وقال المحامي نبيه الجنادي إن جلسة المحاكمة شهدت انتهاكات قانونية ودستورية، إذ حُرم فريق الدفاع من الاطلاع على ملف القضية لإعداد مرافعاته، كما عينت المحكمة محاميًا للدفاع عن عطا الله دون موافقتها، رغم حضور محاميها الأصليين.

 

وأبلغت عطا الله المحكمة رفضها المحامي المنتدب، لكن القاضي رفض إثبات اعتراضها في محضر الجلسة. وأكد الجنادي أن حكم محكمة أول درجة ليس نهائيًا، وأن فريق الدفاع يواصل اتخاذ إجراءات الطعن عليه.

 

وفي المقابل، نفى المجلس الأعلى للقضاء، في بيان أصدره مساء 31 أكتوبر، الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة، مؤكدًا أن المحكمة أتاحت للدفاع الاطلاع على أوراق القضية، وأن تعيين المحامي المنتدب جاء وفقًا للإجراءات القانونية.

 

وتواجه قضية صحفيي منصة «متصدقش» اتهامات أكثر خطورة. ففي بيان صدر في 7 أكتوبر، قالت النيابة العامة المصرية إن المنصة ترتبط باللجنة الإعلامية لجماعة الإخوان المسلمين، التي تصنفها مصر منظمة إرهابية منذ عام 2013، مشيرة إلى اعتراف أحد المتهمين بالانضمام إلى الجماعة. لكن المنصة نفت وجود أي صلة لها بالإخوان المسلمين.

 

وأوضح الجنادي أن النيابة لم تعرض على فريق الدفاع أي أدلة تثبت انضمام الصحفيين المزعوم إلى الجماعة، أو توضح الأفعال التي تشكل تمويلًا للإرهاب، بما في ذلك ما إذا كان المتهمون يتلقون أموالًا أو يرسلونها.

 

وأشار إلى أن جميع المسارات القانونية لا تزال مطروحة، إذ قد يجدد الحبس الاحتياطي لفترات طويلة، أو تحيل النيابة القضية إلى المحاكمة إذا رأت أن الأدلة تستدعي ذلك، كما يظل الإفراج عن الصحفيين احتمالًا قائمًا.

 

 

الخوف والرقابة الذاتية يتسللان إلى غرف الأخبار

 

لم تقتصر تداعيات الاعتقالات والملاحقات على الصحفيين المستهدفين مباشرة، بل امتدت إلى العاملين في المؤسسات الإعلامية المستقلة والصحفيين المستقلين الذين يعتمدون على هذه المنصات لنشر أعمالهم وتحقيق دخل من العمل الصحفي.

 

وقالت شيماء حمدي، مؤسسة منصة «أثر» الجديدة، إن صحفيين طلبوا منها حذف مقالاتهم خلال الأيام التي أعقبت اعتقال فريق «متصدقش».

 

وأضافت حمدي، التي أطلقت منصتها قبل نحو عشرة أيام فقط من تلك التطورات، أن بعض الصحفيين طلبوا نشر مواد سبق أن أرسلوها بأسماء مستعارة، ومن بينها تقارير عن العنف عبر الإنترنت، خوفًا من ارتباط أسمائهم بمؤسسة إعلامية مستقلة تركز على قضايا الحقوق والحريات.

 

وامتدت الضغوط إلى الصحفيين المستقلين الذين يعتمدون على منصات مثل «أثر» لنشر أعمالهم والحصول على مقابل مادي عنها.

 

وقال صحفي مستقل، طلب عدم الكشف عن هويته حفاظًا على سلامته، إن استهداف الصحفيين ورؤساء التحرير خلق حالة مستمرة من القلق والرقابة الذاتية، تدفع الصحفيين إلى حساب المخاطر الأمنية والقانونية قبل البدء في إعداد أي تحقيق أو تقرير.

 

وأضاف أن السلطات ليست الجهة الوحيدة التي تستهدف الصحفيين والمؤسسات المستقلة، إذ تواجه هذه الجهات أيضًا حملات إلكترونية، ما يخلق بيئة عمل غير مستقرة وغير آمنة.

 

وأشار إلى أن القيود المفروضة على الصحافة المصرية مستمرة منذ سنوات، لكنها اشتدت مؤخرًا، الأمر الذي حدّ من قدرة الصحفيين على أداء عملهم، وحرم الجمهور من الاطلاع على قصص ومعلومات كان من الممكن نشرها.

 

من جانبها، قالت الصحفية لينا الوردياني، التي انضمت إلى مجموعة من الصحفيين داخل نقابة الصحفيين في 3 أكتوبر للمطالبة بالإفراج عن فريق «متصدقش»، إن القيود الحالية على حرية الصحافة هي الأشد التي شهدتها خلال مسيرتها المهنية التي بدأت في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

 

وأضافت لموقع «العربي الجديد» أن الخطوط الحمراء كانت واضحة نسبيًا في عهد مبارك، إذ اقتصر المحظور على الرئيس وأسرته والمؤسسة العسكرية، بينما أصبح من الصعب حاليًا تحديد الموضوعات التي قد تعرض الصحفي للمضايقات أو الملاحقة القضائية.

 

ورفضت الوردياني اعتبار أي من المؤسستين تهديدًا، موضحة أن تدقيق المعلومات الذي تقدمه منصة «متصدقش» يمثل وظيفة صحفية أساسية، وأن «مدى مصر» يضم صحفيين محترفين، ويظل من حق القراء الاتفاق مع ما ينشره الموقع أو الاختلاف معه.

 

 

تعثر التراخيص يهدد مستقبل الإعلام المستقل

 

تندرج المشكلات القانونية التي تواجه «مدى مصر» ضمن أزمة أوسع تعاني منها المؤسسات الإعلامية المستقلة، إذ تنتظر مؤسسات عديدة منذ سنوات حسم طلباتها للحصول على تراخيص تتيح لها العمل بصورة قانونية.

 

ويلزم القانون رقم 180 لسنة 2018 المواقع الإخبارية بالحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهو الجهة الحكومية المسؤولة عن الإشراف على وسائل الإعلام في مصر. وينص القانون على أن يبت المجلس في طلبات الترخيص خلال 90 يومًا، لكنه يستغرق عادة فترات أطول بكثير عند التعامل مع المؤسسات المستقلة، وفقًا للمنظمة الحقوقية الإقليمية «حُمينا».

 

وقال موقع «مدى مصر» إنه تقدم بطلب للحصول على الترخيص في عامي 2018 و2020، لكنه لم يعلم برفض طلبه الأول إلا في عام 2022، خلال التحقيق مع لينا عطا الله، دون أن يتلقى إخطارًا رسميًا بالقرار. ولا يزال طلبه الأخير، الذي قدمه عام 2023، قيد الانتظار.

 

وفي دراسة نشرتها الجمعية المصرية للحقوق والحريات في أغسطس 2026، وثقت المنظمة الحقوقية حالات مماثلة من التأخير ورفض طلبات الترخيص لعدد من المواقع المستقلة، دون تقديم تفسيرات كافية في كثير من الأحيان.

 

وقال محمد صلاح، المدير العام والممثل القانوني لمنصة «فكر تاني» الإخبارية، إن المنصة تقدمت بطلب للحصول على ترخيص عام 2023، وسددت رسومًا بلغت 50 ألف جنيه مصري، بما يعادل 902 دولار، لكنها لم تتلق ردًا لمدة عامين، قبل أن يُبلغ صلاح في نهاية المطاف برفض الطلب.

 

وتقدم الموقع لاحقًا بالتماس إلى المجلس لإعادة النظر في طلبه، وتلقى وعدًا في ديسمبر 2025 بحسم الأمر وإصدار قرار، لكنه لم يتلق أي رد حتى الآن.

 

وأوضح صلاح أن الصحفيين والمتدربين بدأوا يتساءلون عن مستقبل الموقع، بينما تردد بعض المساهمين في اقتراح موضوعات جديدة للنشر، محذرًا من أن الخوف قد يدفع الصحفيين إلى الابتعاد عن التحقيق في القضايا الحساسة.

 

وقال إن القلق لا يصنع صحفيًا قادرًا على محاسبة أي جهة أو مساءلتها أو كشف أوجه القصور فيها.

 

ودعا خالد البلشي، نقيب الصحفيين المصريين، إلى مراجعة إجراءات ترخيص المواقع الإخبارية ووضع قواعد واضحة تتيح للمؤسسات الحصول على تراخيص إعلامية دون تأخير غير مبرر.

 

وأكد البلشي لموقع «العربي الجديد» أن وجود إعلام متنوع يعبر عن مختلف فئات المجتمع يتطلب تمكين المؤسسات الصحفية من العمل في إطار قانوني مستقر، مشددًا على ضرورة مراجعة الإجراءات الحالية بما يسمح بتعدد الأصوات داخل المشهد الإعلامي المصري.

 

ورفض البلشي التنبؤ بما إذا كان قرار إغلاق «مدى مصر» قد يمهد لاتخاذ إجراءات مماثلة ضد مؤسسات أخرى، مفضلًا التركيز على الخطوات الممكنة للدفاع عن الصحفيين والمؤسسات المتضررة، وتسوية أوضاع المواقع التي لا تزال طلبات تراخيصها معلقة.

 

وأوضح أن النقابة تعتمد على التفاوض مع الجهات المعنية، واللجوء إلى القضاء، واستخدام الأدوات القانونية والنقابية والدستورية المتاحة، مشيرًا إلى نجاح تدخلاتها في بعض الحالات، ومنها الإفراج عن الصحفي كريم أسعد في أغسطس 2023، بعد نحو 48 ساعة من احتجازه.

 

لكنه أقر في الوقت نفسه بمحدودية قدرة النقابة على تحقيق النتائج، موضحًا أن فاعلية تدخلاتها ترتبط بالمناخ العام والموارد المتاحة. وأكد أن النقابة ستواصل الدفاع عن الصحفيين بكل الأدوات التي تمتلكها، لكن نجاحها في بعض القضايا لا يعني بالضرورة تحقيق النتائج نفسها في جميع الحالات.

 

ولا تقتصر الأضرار الناجمة عن هذه الإجراءات على المؤسسات الإعلامية المستقلة وحدها، بل تمتد إلى المشهد الإعلامي المصري بأكمله.

 

وحذرت الوردياني من أن استمرار الضغوط الحكومية قد يؤدي إلى تحول وسائل الإعلام المصرية جميعها إلى منصات تنشر الأخبار والعناوين والموضوعات نفسها، على حساب التنوع وتعدد الأصوات.

 

وشددت على أن جوهر العمل الصحفي يتمثل في مساءلة المؤسسات العامة وكشف أوجه القصور في أدائها، معتبرة أن تقليص المساحة المتاحة للصحافة المستقلة يحرم المجتمع من أحد أهم أدوات الرقابة والمحاسبة.

 

A shrinking space: The silencing of Egypt's independent media