وضعت الإعلامية لميس الحديدي الحكومة في مواجهة مباشرة مع الشارع، عقب هجومها الحاد عبر شاشة النهار على بيانات التضخم الرسمية الصادرة لشهر أكتوبر، متسائلة عن أسباب غياب أي أثر إيجابي لتلك الأرقام على حياة المواطنين المحاصرين بالغلاء المستمر.
​
​
وأبرز التقرير التلفزيوني حالة التناقض الواضحة بين إعلان وزارة التخطيط تباطؤ زيادة الأسعار وواقع الأسواق المتأزم، خاصة بعدما اضطرت الشركات لزيادة أسعار السلع نتيجة صعود الدولار وتكاليف الاستيراد، مما جعل المواطن يواجه أعباء معيشية تفوق التقديرات الحكومية المعلنة.
​


​
فجوة عميقة بين الأرقام والشارع
​
​
وفي هذا السياق، شددت الحديدي خلال برنامجها على اتساع الهوة بين المؤشرات الرسمية وشعور المستهلكين، موضحة أن المواطنين يلمسون تصاعداً أسرع من المعتاد في أسعار السلع، على عكس ما صرح به وزير التخطيط بشأن تراجع وتيرة الصعود السعري العام.
​
​
وعلاوة على ذلك، أوضحت المذيعة أن تباطؤ معدل التضخم لا يعني بأي حال انخفاض الأسعار في محال التجزئة، بل يشير فقط إلى بطء وتيرة زيادتها المستمرة، وهو الأمر الذي يغفله الخطاب الرسمي، مسبباً التباساً واسعاً لدى عموم الطبقات الشعبية المتضررة.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، رصد البرنامج ضغوط شهر أكتوبر الماضي جراء ارتفاع تكاليف استيراد البضائع، وتصاعد رسوم الشحن والتأمين وأسعار النفط، الأمر الذي دفع حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إلى عقد لجنة للأزمات لمواجهة التحديات المتزايدة دون جدوى ملموسة للمستهلك.
​
​
ومن جهة أخرى، لفتت المذيعة إلى اعتراف الشركات برفع أسعار منتجاتها خلال الشهر ذاته تحت وطأة الأعباء التشغيلية، متسائلة باستنكار عن كيفية انخفاض مؤشرات التضخم وسط تلك الحقائق الجلية، مؤكدة أن الواقع الفعلي يدحض البيانات الصادرة عن الجهات التنفيذية بصورة قاطعة.
​
​
وفي الإطار ذاته، يوضح الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل بالجامعة الأمريكية الدكتور هاني جنينة أن سلة السلع التي يعتمدها جهاز الإحصاء لا تعكس بدقة النمط الاستهلاكي الحقيقي للمواطن، مما يولد شعوراً دائماً بعدم مصداقية أرقام التضخم عند مقارنتها بالأسعار المشتعلة في الأسواق.
​
​


تناقض البيانات الحكومية وقرارات المركزي
​
​
وفي سياق متصل، سلطت الحديدي الضوء على المفارقة البارزة المتمثلة في تحرك البنك المركزي المصري نحو رفع سعر الفائدة بمقدار نقطة مئوية واحدة، مبرراً ذلك بتصاعد الضغوط التضخمية وتزايد حالة الضبابية، وهو ما يناقض كلياً تطمينات وزارة التخطيط حول انحسار الغلاء.
​
​
وعلى النقيض من ذلك، كان وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية الدكتور أحمد رستم قد أعلن تراجع معدل التضخم السنوي خلال أكتوبر إلى 12% مقابل 12.8% في سبتمبر، مشيداً بما وصفه بتحسن ملموس في مؤشرات الاقتصاد وتباطؤ وتيرة الغلاء العام في البلاد.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، تضمنت البيانات الرسمية هبوط المعدل الشهري إلى 0.6% مقارنة بنحو 1.5% المسجل في شهر سبتمبر 2026، متراجعاً بنحو 2.7 نقطة مئوية عن ذروته البالغة 3.3% في مارس الماضي، بما يعكس حرصاً حكومياً على إبراز تباطؤ وتيرة الأسعار شكلياً.
​
​
غير أن تلك الأرقام المتفائلة تصطدم بإجراءات السياسة النقدية الصارمة التي تظهر توجس المصرف المركزي من موجات تضخم وشيكة، في ظل استمرار الضغوط الاستيرادية وتراكم التحديات التمويلية، مما يجعل إعلانات التهدئة مجرد مسكنات إعلامية عاجزة عن إقناع الشارع بصحتها.
​
​
وتأييداً لهذا الطرح، يؤكد مستشار أسواق المال الدكتور وائل النحاس أن التباين الصارخ بين تقارير التخطيط وقرارات البنك المركزي يعكس ارتباك السياسات الاقتصادية، مشيراً إلى أن تشديد الفائدة يعبر عن الحقيقة الاقتصادية الصعبة التي تحاول الإحصاءات الرسمية إخفاءها عن الرأي العام.
​
​


تقلبات العملة وتداعيات الانتخابات الأمريكية
​
​
وبالرجوع إلى المؤشرات الإقليمية والدولية، تناولت المذيعة التداعيات المبكرة لنتائج الانتخابات الأمريكية على الاقتصاد المحلي، مشيرة إلى هبوط سعر صرف الدولار إلى ما دون 54 جنيهاً في البنوك المصرية، إلى جانب تراجعات أسعار النفط في الأسواق العالمية بصورة ملحوظة.
​
​
ومع ذلك، أثارت الحديدي تساؤلات ملحة حول مدى قدرة السوق على الحفاظ على هذا التراجع لسعر الصرف خلال الفترة المقبلة، لافتة إلى أن استمرار التذبذب يهدد استقرار تسعير الواردات الأساسية ويزيد من ارتباك المنتجين المحليين في تحديد تكاليف الإنتاج النهائي للسلع.
​
​
وبناءً على هذا، يظل الاقتصاد المصري شديد الهشاشة أمام تقلبات حركة التجارة في ظل اعتماده الكبير على استيراد الغذاء ومستلزمات الإنتاج، الأمر الذي يبقي أسعار السلع مرشحة للارتفاع عند أي هزة نقدية، مما يفرغ أي انخفاض مؤقت للدولار من قيمته المعيشية الفعلية.

وفي ضوء هذه المعضلات، يجد المستهلك نفسه مجبراً على تحمل أعباء الغلاء بمفرده مع تآكل القيمة الحقيقية للدخول، في حين تستمر السلطات التنفيذية في تصدير أرقام تحسن التضخم، دون أن يترجم ذلك إلى أي تراجع ملموس في فواتير الشراء اليومية للمواطنين المتعبين.
​
​
وفي قراءة موازية، يبين الخبير في الشأن الاقتصادي ممدوح الولي أن مؤشرات التضخم الرسمية تعتمد على أوزان ترجيحية لا تعبر عن الواقع المعيشي، مؤكداً أن الضغوط الحالية ناتجة عن التزامات الديون وأزمات السيولة، مما يفقد البيانات الحكومية مصداقيتها الشعبية ويزيد من سخط المواطنين.
​
​
وإزاء هذه الحقائق، يبقى الشارع المصري في وادٍ والإحصاءات الرسمية في وادٍ آخر، إذ تظل تساؤلات المواطنين ومخاوفهم المشروعة من غلاء المعيشة هي المعيار الصادق للأزمة، متجاوزة كافة الأرقام المجردة التي تحاول تجميل الواقع الاقتصادي المأزوم والتغطية على الفشل الإداري القائم.

 

​https://www.facebook.com/watch/?v=1598116199026626