يكشف الكاتب جيمس كلير، في مقاله «ما يعرفه كل شخص ناجح لكنه لا يقوله أبدًا»، عن أحد الأسرار التي تقف وراء النجاح في المجالات الإبداعية، وهو أن امتلاك الذوق الرفيع والقدرة على تمييز العمل الجيد لا يعني بالضرورة امتلاك المهارة اللازمة لإنتاجه. ويؤكد أن الفجوة بين الطموح والقدرة الفعلية أمر طبيعي يمر به كل من يبدأ طريقه، وأن تجاوزها يتطلب الاستمرار في العمل والممارسة، لا الاستسلام للإحباط.

 

ونشر موقع جيمس كلير المقال ضمن موضوعات الإبداع والمثابرة والتحفيز، مستعرضًا تجربة المذيع والمنتج التنفيذي إيرا جلاس، مقدم البرنامج الإذاعي الشهير «ذيس أمريكان لايف» (This American Life)، الذي احتاج إلى سنوات طويلة من العمل قبل أن يحقق النجاح الذي يعرفه الجمهور اليوم.

 


من متدرب في الإذاعة إلى صانع أحد أشهر البرامج الأمريكية


يُبث برنامج «ذيس أمريكان لايف» أسبوعيًا لأكثر من 1.7 مليون مستمع عبر 500 محطة إذاعية، وقد فتح أمام جلاس، الذي يظهر في معظم حلقاته، أبوابًا واسعة من الفرص، شملت عقود نشر الكتب وإنتاج الأفلام السينمائية والظهور في البرامج التلفزيونية الشهيرة.


لكن مسيرته لم تبدأ بهذا النجاح؛ إذ التحق جلاس بهيئة الإذاعة الوطنية الأمريكية (NPR) متدربًا في سن التاسعة عشرة، وقضى العقد التالي في العمل الشاق مراسلًا صحفيًا، دون أن يحصد سوى القليل من النتائج.


وبعد مرور 15 عامًا على بداية مسيرته المهنية، بدأ جلاس أخيرًا المشاركة في تقديم أول برامجه، الذي حمل اسم «ذا وايلد روم» (The Wild Room). وكان صاحب فكرة البرنامج، لكنه وصف تجربته لاحقًا قائلًا: «كانت إحدى الحلقات سيئة للغاية، بينما جاءت حلقتان بمستوى مقبول».


وبُث البرنامج مساء الجمعة، في توقيت لم يكن يحظى بشعبية كبيرة، وهو ما دفع جلاس إلى القول إنه «استحق توقيت عرضه».


وبعد عامين من المعاناة مع «ذا وايلد روم»، طرح جلاس أخيرًا فكرة برنامجه «ذيس أمريكان لايف»، وحصل على تمويل محدود لبدء تنفيذه. وبعد أكثر من 15 عامًا وملايين المستمعين، تحولت التجربة إلى قصة نجاح معروفة.


لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام يكمن في الطريقة التي وصف بها جلاس معاناته الطويلة لإنتاج عمل إبداعي يستحق التقدير.


وقال جلاس: «لا يعلم المبتدئين بهذه الحقيقة، وكم أتمنى لو أن أحدًا أخبرني بها.


كل من يعمل في مجال إبداعي يبدأ رحلته لأنه يمتلك ذوقًا جيدًا. لكن توجد فجوة بين ما نطمح إليه وما نستطيع إنتاجه. ففي العامين الأولين من العمل، لا تكون الأشياء التي نصنعها جيدة بالقدر الكافي. قد نسعى إلى الجودة ونطمح إليها، لكن ما ننتجه لا يصل إليها بالفعل.


ومع ذلك، يظل ذوقك، وهو الشيء الذي دفعك إلى دخول هذا المجال، قويًا ومميزًا. ويكون ذوقك متطورًا بما يكفي لتدرك أن ما تصنعه لا يرقى إلى مستوى توقعاتك، وأنه مخيب لآمالك. كثيرون لا يتجاوزون هذه المرحلة، فيستسلمون ويتوقفون عن المحاولة.


كل من أعرفهم ممن يقدمون أعمالًا إبداعية ومثيرة للاهتمام مروا بسنوات امتلكوا خلالها ذوقًا رفيعًا، لكنهم أدركوا أن إنتاجهم لم يكن بجودة ما يريدون تحقيقه. كانوا يعرفون أن أعمالهم لا تزال دون المستوى الذي يطمحون إليه. الجميع يمر بهذه التجربة.


إذا كنت في بداية الطريق، أو لا تزال عالقًا في هذه المرحلة، فعليك أن تعرف أن ذلك أمر طبيعي. وأهم ما يمكنك فعله هو إنجاز الكثير من العمل، وإنتاج قدر كبير من الأعمال. ضع لنفسك مواعيد نهائية، بحيث تعرف أنك ستنتهي من قصة واحدة كل أسبوع أو كل شهر. فمن خلال تراكم التجارب وكثرة العمل وحدهما، ستتمكن من اللحاق بطموحاتك وسد الفجوة بين ما تنتجه وما تريد الوصول إليه.


استغرق مني فهم هذه الحقيقة وقتًا أطول مما استغرقه أي شخص قابلته. فالأمر يحتاج إلى وقت، وسيستغرق منك وقتًا أيضًا. ومن الطبيعي أن تطول الرحلة. كل ما عليك هو أن تواصل الكفاح حتى تتجاوز هذه المرحلة».

 


إيرا جلاس: الشيء الذي دفعك إلى دخول المجال هو سر استمرارك


لكل منا أسباب تجذبه إلى المجالات التي يحبها ويختار العمل فيها.


فعندما كان إيرا جلاس متدربًا في التاسعة عشرة من عمره، كان يمتلك شغفًا بالصحافة وفن الحكي ورواية القصص. وكان يعرف جيدًا كيف تبدو الصحافة المتميزة عندما تُمارس على النحو الصحيح، لكنه احتاج إلى 17 عامًا من العمل حتى يتمكن من تقديم هذا المستوى بنفسه. وكما أوضح في حديثه، كانت تلك الرحلة محبطة.


ويرى جيمس كلير أن كثيرين يواجهون معركة مشابهة في مساراتهم المهنية والإبداعية.


فمن يقضي عامًا أو عامين في صالة الألعاب الرياضية يبدأ في التعرف على الأساليب الصحيحة لأداء التمارين، حتى لو لم يكن قادرًا على تطبيقها بإتقان. ويشير كلير إلى أنه يواجه هذه المشكلة حاليًا؛ إذ يستطيع تمييز الأداء المثالي لرفعة النتر والخطف (Clean and Jerk)، لكنه يجد صعوبة في تنفيذها بنفسه عندما يمسك بالبار.


وبالمثل، يبدأ من يلتزم بالكتابة بانتظام في ملاحظة جودة الأعمال المتميزة عند قراءتها، لكنه يكتشف أن إنتاج كلمات إبداعية خاصة به ليس بالأمر السهل. ففي البداية، قد تكون مجرد كتابة شيء على الورق مهمة شاقة. وحتى عندما يتمكن الكاتب المبتدئ من صياغة الجمل، يدرك سريعًا أن الكلمات ليست متساوية في قيمتها وتأثيرها. ويضيف كلير أنه رغم التزامه بالكتابة أسبوعيًا، لا يزال يشعر أحيانًا بأنه لا ينجح في إنتاج عمل يستحق الاهتمام.
 

وينطبق الأمر نفسه على مشاهدة المحاضرات والعروض؛ فمن يشاهد عشر محاضرات في مؤتمرات «تيد» (TED Talks) يستطيع تحديد ما يعجبه وما لا يعجبه في أداء المتحدثين، لكن بمجرد صعوده إلى المنصة بنفسه، يدرك مدى صعوبة جذب انتباه الجمهور، ولو لدقيقة أو دقيقتين.


وهكذا تسير الأمور في معظم المهارات؛ إذ توجد دائمًا فجوة بين المتدرب والحرفي المحترف. يمتلك المتدرب الذوق، لكنه يفتقر إلى المهارة، بينما يجمع المحترف بين الذوق والقدرة على التنفيذ.


فالتعرف على الجمال أسهل من صناعته. وقد تكون لديك القدرة الكافية لإدراك أن ما تنتجه ليس جيدًا، لكنك لا تمتلك بعد المهارة اللازمة لإبداع عمل استثنائي.


وعندما تجد نفسك عالقًا في هذه المنطقة المحبطة، يكمن التحدي في ألا تنسى أبدًا ما دفعك إلى دخول المجال من الأساس. تذكر ذلك الشيء الذي جعلك تبدأ رحلتك.


إنه حبك وشغفك وذوقك؛ تلك هي الأسباب التي قادتك إلى هنا. وما زال لك مكان في هذا المجال، حتى إن لم تشعر بذلك في الوقت الراهن. فقد يكون ذوقك استثنائيًا، حتى لو كانت قدراتك الحالية لا تزال موضع شك.


التزم بالعملية وستصل إلى مستوى المهارة الذي تطمح إليه، عاجلًا أم آجلًا. أنجز الكثير من العمل، وواصل المحاولة حتى تسد الفجوة.

 


كيف تطور مهاراتك لتواكب طموحاتك؟


يعتمد تطوير المهارات حتى تصل إلى مستوى الذوق والطموح على بناء العادات. فكما يقول جلاس، تتوقف القدرة على مواصلة الكفاح على مدى التزامك بالظهور والعمل باستمرار. والسؤال هنا: هل تستطيع بناء العادات التي تساعدك على إحراز تحسينات صغيرة يومًا بعد يوم؟


ويشير كلير إلى أنه لا يدعي امتلاك جميع الإجابات، لكنه يأمل أن تساعد خبرته الآخرين ولو بقدر بسيط.

 

https://jamesclear.com/ira-glass-failure