أطلقت الحكومة الإثيوبية عبر وزير المياه والطاقة هابتامو إيتيفا تصريحات متناقضة تطالب القاهرة بتمويل سدود جديدة على النيل الأزرق ودعم رغبتها في نيل منفذ بحري، مقابل التفاهم حول أزمة مياه النيل العالقة منذ أكثر من 15 عاماً مع دولتي المصب مصر والسودان.
وتزامنت هذه الاشتراطات الأحادية مع تصاعد أزمة العجز المائي داخل مصر وتراجع نصيب الفرد إلى 560 متراً مكعباً سنوياً، الأمر الذي يعكس تصعيداً تفاوضياً يهدف إلى فرض وقائع جغرافية وسياسية قسرية، وتجاوز الحقوق التاريخية لملايين المواطنين في حوض النهر المشترك.
مقايضة مائية إثيوبية لفرض شروط جديدة
وفي تفاصيل الخطاب، اشترط الوزير الإثيوبي مساهمة مصر الإيجابية في بناء سدود جديدة تدشنها بلاده على مجرى النهر، زاعماً أن مساعي أديس أبابا تحولت بعد استكمال سد النهضة إلى الحصول على منفذ بحري سلمي، ومطالباً القاهرة بوقف ما وصفه بالحملات الإعلامية ضد حكومته.
علاوة على ذلك، وجهت أديس أبابا انتقادات مباشرة للمشاريع المائية المصرية في سيناء ووادي توشكى بدعوى عدم استشارتها مسبقاً، متناسية دورها في تدفق 86 بالمئة من المياه، ومحاولة تقييد السيادة التنموية لدولة المصب في إدارة مواردها الداخلية في ظل الفقر المائي المتفاقم.
من جهة أخرى، تناقضت تصريحات إيتيفا الراهنة مع تهديداته المعلنة في 16 أغسطس الماضي بشأن إخضاع تدفقات النيل للسيطرة الإثيوبية الكاملة، وبناء سدود جديدة بطاقة استيعابية تبلغ 140 مليار متر مكعب، وهو ما يتجاوز ضعف سعة سد النهضة البالغة 74 مليار متر مكعب.
وفي هذا الصدد، يؤكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير فرغلي طه أن المقترح الإثيوبي يمثل مناورة سياسية هزلية وغير مسؤولة، موضحاً أن مطالبة القاهرة بتمويل سدود تحجز مزيداً من حصتها المائية تعكس نهجاً استنزافياً وتجاهلاً متعمداً لحياة 120 مليون مصري ونحو 53 مليون سوداني.
وبناء على ذلك، تصطدم المطالب الإثيوبية بواقع الفقر المائي في مصر، حيث تعجز الحصة الحالية البالغة 55.5 مليار متر مكعب عن تلبية الاحتياجات الأساسية، بينما تسعى أديس أبابا للاستحواذ على حصص دولتي المصب عبر فرض الأمر الواقع وتفعيل اتفاقيات غير توافقية مع 6 من دول الحوض.
تعقيدات المنافذ البحرية والتوترات الإقليمية
واتصالاً بالتحركات الإقليمية، أثار حديث الوزير الإثيوبي عن المنفذ البحري ارتباكاً واسعاً، لاسيما بعد تصريحات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في 3 أكتوبر الماضي، والتي أبدى فيها استعداداً لمنح إثيوبيا منفذاً عبر أراضي بلاده، في تحول مفاجئ يناقض التفاهمات السياسية السابقة في المنطقة.
وجاء ذلك الموقف الصومالي بعد قمة رباعية استضافتها مدينة العلمين المصرية، جمعت قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي مع قادة السودان وإريتريا والصومال، حيث أعلن المجتمعون حينها تمسكهم بحصرية حوكمة البحر الأحمر للدول المشاطئة، ورفض الإجراءات الأحادية الماسة بحصص مياه النيل لدولتي المصب.
إضافة إلى ذلك، تثير المحاولات الإثيوبية للوصول إلى البحر عبر إقليم صوماليلاند الانفصالي مخاوف أمنية مصرية مشروعة حول الملاحة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، في وقت تتهم فيه حكومة آبي أحمد كلاً من القاهرة والخرطوم وأسمرة بتقديم دعم مسلح لـ 7 حركات عرقية معارضة داخل أراضيها.
وفي هذا الإطار الجيوسياسي، يشير الدبلوماسي السابق السفير فرغلي طه إلى أن مصر ليست دولة مجاورة جغرافياً لإثيوبيا حتى تمنحها منفذاً بحرياً، مؤكداً أن المسألة برمتها مناورة مكشوفة تستهدف خلط الأوراق الإقليمية، والضغط على دول المصب للتنازل عن أمنها المائي عبر ملفات أمنية غير ذات صلة.
وبالموازاة مع ذلك، تعاني الأزمة من جمود دبلوماسي دولي شامل إثر رفض أديس أبابا وساطة واشنطن في مارس 2022، وتجاهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعهده في يناير باستئناف الوساطة، فضلاً عن بقاء مبادرة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني في 3 سبتمبر بلا خطوات تنفيذية.
فضلاً عن ذلك، يعكس هذا الشلل الدبلوماسي غياب الرؤية الدولية الملزمة، مما يمنح الجانب الإثيوبي فرصة لكسب الوقت وفرض شروطه، في حين تواجه الخرطوم والقاهرة ضغوطاً متزايدة لحماية حصتيهما القانونيتين البالغتين 18.5 و55.5 مليار متر مكعب، وسط تجاهل مستمر من المجتمع الدولي لمخاطر تفجر الأزمة الإقليمية.
انتهاكات صريحة لمبادئ القانون الدولي
وعلى الصعيد القانوني، يفند مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير فرغلي طه الموقف الإثيوبي بوصفه قرصنة صريحة للمياه والقانون الدولي، مبيناً مخالفته لاتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية العابرة للحدود لعام 1997 النافذة منذ 2014، والتي تحظر على دول المنبع احتكار النهر والتصرف فيه بشكل أحادي ومطلق.
إلى جانب ذلك، تسعى أديس أبابا لاستباق مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 المزمع عقده في أبوظبي بين 8 و10 ديسمبر المقبل، لتقديم رواية فنية أحادية تسوغ بناء سدودها، رغم امتناعها عن توليد الكهرباء فعلياً حتى الآن منذ التدشين الرسمي لسد النهضة في سبتمبر 2025.
ومن المثير للريبة، أن حجز كميات ضخمة تتراوح بين 61.5 و64 مليار متر مكعب خلف السد المشيد على بعد 40 كيلومتراً من حدود السودان يثير تساؤلات جوهرية، لاسيما وأن هذه السعة المائية الضخمة تفوق متطلبات التوليد المعلنة، وتؤكد وجود حسابات جيوسياسية مدعومة من قوى تسعى لابتزاز دول المصب.
وفي البعد التاريخي، شهدت العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا تعاوناً وثيقاً امتد منذ عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي بين 1930 و1974 حين ساندت مصر تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، قبل أن يتبدل النهج بعد 2011 مع توقيع إعلان المبادئ في 2015 والتنصل من مفاوضات واشنطن طوال 10 سنوات كاملة.
وبناء على ذلك، تقف الدبلوماسية المصرية أمام اختبار وجودي يفرض مغادرة دائرة التفاوض العقيم والتحرك الحاسم لمواجهة التعنت، خاصة وأن إثيوبيا تسعى لإلغاء الاتفاقيات السابقة، مستغلة توقيع 6 دول لحوض النيل على مفوضية الحوض في 22 أغسطس الماضي لتقويض الحقوق المكتسبة والمستقرة تاريخياً لدولتي المصب.
وختاماً لهذه التحذيرات، يؤكد خبراء القانون الدولي والدبلوماسية أن التعدي على حصة مصر المائية يعد مساساً مباشراً بحياة الشعب المصري، مما يمنح القاهرة الحق القانوني والسياسي الكامل في الدفاع الشرعي عن النفس لحماية أمنها القومي استناداً إلى أحكام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لحفظ البقاء.

