من عجائب عطاءات كتاب الله الأمر الذي يتعلق بمنظومة السنن التي تحكم حركة الإنسان فكرا وعملا، كونا ونفسا، تاريخا واجتماعا ومجتمعا، تلك المنظومة التي تعبر عن كمالات وعي الإنسان وقدرات سعيه، بين الوعي بالسنن والسعي بها ولها يقع هذا الأمر الذي يشير إليه القرآن في آياته "أتى أمر الله فلا تستعجلوه.." إنها أمور تشتمل عليها هذه الكلمات القليلة المبنى، الغزيرة المعنى، الفياضة المغزي؛ تعبر عن تصحيح الوعي بالزمن لدى عموم الناس حينما يستبطئون النتائج، ويستعجلون جني الثمار فيذكر الله سبحانه وتعالى بالسنن القائمة الماضية في تداخل الزمن الماضي بالزمن الحاضر وبامتداداته وباستشراف أفق المستقبل، حلقات الزمن تتابع، والسنن تعمل عملها، والإنسان عليه أن يدرك أصول الوعي ومسالك السعي؛ فيتحرك بذلك راشدا فيقع فى عقله وسعيه الزمن موقعه ومقامه من نفسه ومن فكره وتفكيره ومن عمله وتدبيره،وحركة تغييره وتأثيره إنه يحرك عناصر الفاعلية حينما تتدافع على إدراكاته المعاني التي تتعلق باستبطاء النصر، واستعجال الثمرة، ولكن القرآن يؤكد على الإنسان في إدراكه لهذا التواصل والاتصال الزمني في السنة وعيا وسعيا فيؤكد "أتى أمر الله فلا تستعجلوه..".
يظن قصيرو النظر أن اليوم هو نهاية العالم وختام القصة، وأن سنة الله تعالى هي انتظار الظلم والظالمين، كما يرون في أفلام الواقعية السوداء، وما هي إلا وقوعية حمقاء، يؤسس لها أصحاب الأفق المحدود والصدور الضيقة والأنفاس المتقطعة. لكن الحياة وسننها في النفس والتاريخ والاجتماع والسياسة والكون تقول عكس ذلك وتؤكد غير هذا. والواقع اليوم لا يقر للبائسين القانطين بما هم فيه من كفر خفي بسنن الله تعالى القاضية الماضية.
ما يجري اليوم في بلادنا العربية وفي قلبها مصر ليس مجرد مظلمة تقع من ذي سلطان على مواطن غلبان، أو سياسة قمعية باطشة على فصيل معارض تقتل وتحرق وتعتقل وتستبيح النفس والمال والعرض، ولا عملية تطهير سياسي تؤازرها عمليات شيطنة وتسميم للعقل الجمعي والثقافة العامة، ولا تحالفات متصهينة ضد الثورات والمقاومة وخمائر العزة ودروع الكرامة وأشواق الحرية ومطالب العدالة. لا .. الأمر أكبر من ذلك، فعلى الضفة الأخرى شعوب وقوى غير قليلة ولا ضئيلة ولا ذليلة تتأبى على الكسر، وتصر على النصر.
هذا ما يجب الالتفات إليه: شعوب عربية ممتلئة شوقا إلى التحرر، ومصرة على التغيير، وقادرة على الاستمرار والمواصلة وتقديم التضحيات، وقد فعلت وهي لا تزال تفعل، والطريق أمامها فيه من البشائر والمحفزات الكثير. الشباب عماد الثورات، وهذه وحدها كافية في بيان أن المستقبل للتغيير، وان المستقبل للشعوب التي تساند شبابها، وأن قوى الإبداع -الحقيقي- وقوى الحركة السريعة المجدة، وقوى التشبيك والاتحاد، وقوى التواصل مع الجميع ومع العصر، وقوى الاجتهاد والجهاد، وقوى التحمل والمصابرة، وقوى الصلاح واليد النظيفة، وقوى الإخلاص للأوطان والأمة، وقوى الاستقامة الخلقية والقيمية، وقوى الوضوح في الهدف والطريق... كل هذه القوى في صف الثورة والمقاومة.
هذا بينما قوى الثورة المضادة والمتصهينون الجدد عبارة عن نظم شائخة ساقطة في ذاتها قبل أن يسقطها غيرها، لا تستند إلا على ميراث قديم لم تعد عملته رائجة، وعلى قوى بطش قصيرة الأنفاس، بليدة الإحساس، ضعيفة التفكير والتدبير، مفلسة من أي جديد يمكن أن تجمع عليه الناس. وسائل الإعلام والقضاء والبطش المسلح والتنكيل هي (دقة قديمة) وفيلم هابط لا سوق له.
قد تمر فترات من الفتور وتغشى الناس سنة من نوم أو نعاس الأمنة، فترة يعقبها النشاط بكامل الطاقة والفاعلية فى التمكين للتغيير والتأثير لكن عامل الزمن في صالح الثورات وقوى التغيير إذا هي صابرت وأصرت على استكمال ثوراتها، وتقديم القليل من التضحيات لاقتحام العقبة وفك الرقبة.
إن انتصار تونس الماضي قدما بإذن الله، وانتصار غزة وفلسطين كلها على تضحياتها، وانتصار تركيا لرمزها، وانتصارات دعاة الحرية ورعاة العدالة في كل مكان.. إنما يبشر بأن الأمر أوسع من أن تمسك به هذه القوى المتغطرسة من الأمريكان والصهاينة والملوك والعسكر، وأن قليلا من الإصرار والاستمرار كفيل بمزيد من انكشاف ساحتهم وتراجع صفوفهم وضرورة نزولهم على إرادة شعوب لا تريد إلا الحرية والكرامة والحق والعدل وسائر الحقوق الإنسانية التي لا بقاء بغيرها.
إن الأوهام التي يصورها هؤلاء المخذلون والمزورون للتلاعب بالرءوس والعقول حتى تنتكس وتستسلم لأغراضهم، وما نعرفه بتلبيس إبليس لا يكون كما هو في هذه الأيام (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إن أرى ما لا ترون ..).
من لاحظ بالأمس خروج أحمد عز، ثم خطبة العادلي وإعلانه عودة دولتهم قد يتسرب إليه إحباط أو يأس ويدع الميدان ويعلن استسلامه لدولة الانقلاب .. لكن من يدقق في أجواء الخزي والذلة التي تغشى ساحتهم، ومن يتأمل ضعف المستوى وهشاشة قدراتهم وسذاجة مواقفهم ومخططاتهم يدرك أن الكفة ليست في صالحهم دائما، وانهم لا يملكون سوى المظاهر الخداعة والنفخة الكذابة وألاعيب الأطفال المكشوفة، وأنها مسألة وقت، وسيرون ما يوعدون.
لابد في منطق السنن من انتصار الحق في النهاية، وفي السنن أن ضعفاء البصر والبصيرة يرون الأمر بعيدا ويراه الله والموقنون قريبا، وأن العقبات لا تمنع السير، وأن التضحيات تدعم مسالك السير لا توقفه فهي مدد يحرك الطاقات، ويؤسس لفاعليات، ويمكن لمستقبل ومسارات، إنها صناعة الأمل وصناعة المستقبل ضمن مسارات سعى وعمل التي تحركها هذه الكلمات القليلة "أتى أمر الله فلا تستعجلوه.."، وأن الدم الغالي لا يرخص إلا بخيانته والرجوع بعد المضي، وأن التغيير طالما دخل النفوس فهو يتحرك في الأرض على عين الله وعونه، وأن الأمور بعواقبها، وأن النصر قريب، والفتح مبين، وأن مع العسر يسرا، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، سيجعل الله بعد عسر يسرا.
هذا ليس وعظا ولا دروشة.. هذا حديث السنن، فرج بعد ضيق، وفتح بعد غلق، وقوة بعد ضعف، فللقوة سقف لا يتجاوزونه، ولضعف المقاوم حد لا ينزل عنه، والأيام دول بين الناس.
إن ربط ذلك بحديث الثورة وأحداثها وذلك العمل الذي ارتبط بأمل ولد يوم الخامس والعشرين من يناير في سياق شرارة ثورية أشارت من كل طريق إلى القدرة على التغيير لو توفرت له أسباب النجاح والفوز والقدرة على بناء علاقات متينة قادرة على التعامل مع الموقف بما تحركه من قيم تؤسس لمعنى اجتماع الثورة، والثورة في الاجتماع، ولكن الأمر لا يرتبط بلحظة هنا أو هناك في التاريخ وكأن هذه اللحظة مرغوبة مطلوبة مالم يترافق مع تلك اللحظة وعي أمين وعمل رصين يحرك طاقات الاستمرارية ويؤسس لسنن الفاعلية، وفي إطار من تدافع هو سنة الله في خلقه ستأتي الثورة المضادة تحاول أن تدفع عن مصالحها وتأتي الثورة الحقيقية تحاول أن توطد أركانها ومن خلال منظومة السنن فإن الحالة الثورية ليست أياما معدودة ولكنها حركة واعية مقصودة تتراكم بعملها في سياق ما يمكن تسميته بالملحمة الثورية في تدافع ثوري حقيقي يحرك كل طاقات مواجهة شبكات الاستبداد ومؤسسات الفساد، ومن ثم فإن الثورة ليست جولة أو معركة واحدة ولكنها عمل ممتد وجب علينا فيه أن نتبصر مواقع أقدامنا وخطوات مسارنا والوعي بأخطائنا والاعتبار من كل ما يحقق تأمين حركة المسيرة الثورية بقدراتها وأدواتها ومقاصدها وغاياتها من حقيقة أساسية وقاعدة ذهبية "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وأن الله سبحانه وتعالى يواتي الانسان بالمنن إذا عمل بالسنن، إنها السنن الماضية التي تحرك أصول الوعي ومدارك السعي.
اليوم تتسع مساحة الطلب على الحرية، ويدفع ثمنها من يستحقها في بلادنا، وإذا دفع الثمن وجب التحصيل.. وإذا حث السير كان الوصول.
بين المساء والصباح وقت قد يطول بالبعض، لكن فسحة الأمل تقصره، وإن موعده الصبح أليس الصبح بقريب؟!

