في خطوة تضاف إلى سلسلة الزيادات التي شهدتها مصر مؤخرًا في أسعار السلع الأساسية، أصدر رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي قرارًا رقم 3001 لسنة 2024 يقضي بزيادة أسعار بيع أسطوانات الغاز السائل (البوتاجاز) بنسبة 50% للأغراض المنزلية والتجارية، لتدخل هذه الزيادة حيز التنفيذ اعتبارًا من الساعة السادسة صباحًا يوم الأربعاء. يأتي هذا القرار في ظل الارتفاعات المستمرة في أسعار الوقود والطاقة في مصر، وهو جزء من خطة الحكومة لتحرير دعم الوقود تدريجيًا ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي.

تفاصيل القرار

بموجب القرار الجديد، ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلية الصغيرة سعة 12.5 كيلوغرامًا من 100 جنيه إلى 150 جنيهًا، بينما ارتفع سعر الأسطوانة التجارية الكبيرة سعة 25 كيلوغرامًا من 200 جنيه إلى 300 جنيه (ما يعادل 6.2 دولارات). هذه الزيادات تأتي بعد سلسلة من الزيادات المستمرة في أسعار الطاقة، حيث تضاعف سعر أسطوانة الغاز للاستخدام المنزلي والتجاري عشر مرات منذ عام 2017، عندما كانت الأسعار تتراوح بين 15 جنيهًا للأسطوانة المنزلية و30 جنيهًا للأسطوانة التجارية.

كما نص القرار على رفع سعر طن الغاز الصب (غير شامل نولون النقل) من 8000 جنيه إلى 12000 جنيه بزيادة 50%. بالإضافة إلى ذلك، تقررت زيادة سعر طن المازوت المورد لمحطات توليد الكهرباء من 2500 جنيه إلى 6500 جنيه، ما يمثل ارتفاعًا بنسبة 160%.

زيادة أسعار غاز البوتاجاز تضع مزيدًا من الأعباء على كاهل المواطنين المصريين، خاصة في ظل التضخم المرتفع الذي تعاني منه البلاد. يعتمد غالبية المصريين على أسطوانات الغاز في الاستخدامات المنزلية اليومية مثل الطهي والتدفئة، مما يجعل هذه الزيادات تؤثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية.

منذ عام 2017، شهدت مصر زيادات متواصلة في أسعار أسطوانات الغاز نتيجة السياسات الاقتصادية الحكومية الرامية إلى تحرير الدعم وتقليل الأعباء المالية على الدولة. ومع تضاعف الأسعار، أصبح المواطن المصري يجد صعوبة أكبر في تلبية احتياجاته الأساسية. بالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، هذه الزيادات قد تؤدي إلى ضغوط مالية إضافية تجعل من الصعب تأمين احتياجات الأسرة الضرورية من الغاز.

التضخم وأثره على المعيشة

وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية إلى 26.2% في أغسطس 2024، مقارنة بـ25.7% في يوليو من نفس العام. على أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 2.1% في أغسطس، بعد أن كانت الزيادة 0.4% فقط في يوليو. ويعود هذا الارتفاع الكبير في التضخم إلى قرار الحكومة برفع أسعار الوقود بنسب تصل إلى 15%، مما أدى إلى تأثير مباشر على أسعار السلع والخدمات.

زيادة أسعار غاز البوتاجاز تؤدي إلى زيادة في تكاليف الحياة اليومية. فارتفاع أسعار الوقود والطاقة يؤدي إلى زيادات أخرى في تكاليف النقل والإنتاج، مما ينعكس على أسعار السلع الغذائية والخدمات العامة.

وبالتالي، فإن المواطن المصري يواجه ضغوطًا متزايدة، حيث تتآكل قدرته الشرائية بشكل مستمر.

لم تكن زيادة أسعار الغاز البوتاجاز هي الوحيدة التي شهدتها مصر مؤخرًا، فقد قررت الحكومة رفع أسعار الكهرباء بنسب تتراوح بين 17% و40%، وذلك على المستهلكين في المنازل والقطاعات الصناعية والزراعية. كما شهدت بطاقات مترو الأنفاق والقطارات زيادات بنسب وصلت إلى 33%.

وحتى الخبز المدعوم الذي يعتمد عليه ملايين المصريين، شهد زيادة بنسبة 300% في أسعاره على بطاقات التموين.

هذه الزيادات المتتالية في أسعار السلع والخدمات الأساسية تعمق من معاناة المواطنين، حيث يصبح من الصعب تأمين متطلبات الحياة اليومية. بالنسبة للفئات الأكثر ضعفًا، مثل العمال ذوي الأجور المنخفضة والعائلات الكبيرة، تشكل هذه الزيادات تحديًا كبيرًا يهدد مستوى معيشتهم ويزيد من معدلات الفقر.

الديون واثرها على الاقتصاد

منذ عام 2016، حصلت الحكومة المصرية على قروض ضخمة من صندوق النقد الدولي تجاوزت قيمتها 28 مليار دولار. هذه القروض رافقتها شروط صارمة تتطلب تنفيذ إصلاحات اقتصادية جذرية، منها تحرير الدعم عن الوقود والطاقة.

وفي هذا السياق، تم رفع أسعار البنزين والسولار وغاز المنازل، إلى جانب زيادات في أسعار الكهرباء والمياه، بهدف تقليل عجز الموازنة العامة وتخفيف الضغوط المالية على الدولة.

لكن هذه الإصلاحات، رغم ضرورتها لتحسين الوضع الاقتصادي العام، أدت إلى زيادات غير مسبوقة في أعداد الفقراء في مصر. مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القيمة الشرائية للجنيه المصري، يجد العديد من المواطنين أنفسهم عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وبالإضافة إلى ذلك، تعاني العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة من الإفلاس نتيجة عدم قدرتها على التكيف مع الزيادات الكبيرة في التكاليف التشغيلية.
من العوامل الرئيسية التي تساهم في ارتفاع أسعار غاز البوتاجاز والسلع الأخرى في مصر هو تراجع قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي. منذ عام 2017، تراجعت قيمة الجنيه من 15.70 جنيهًا للدولار إلى نحو 48.50 جنيهًا في عام 2024. هذا التراجع أدى إلى زيادة تكاليف الاستيراد، خاصة فيما يتعلق بالوقود والمشتقات النفطية التي تعتمد عليها مصر بشكل كبير.

ومع تحرير الدعم التدريجي عن الوقود والطاقة، تتحمل الأسر المصرية الجزء الأكبر من هذه التكاليف المرتفعة. هذا الوضع يجعل من الصعب على المواطنين التكيف مع الزيادات المستمرة في الأسعار، خاصة في ظل انخفاض الأجور وارتفاع معدلات البطالة.

مستقبل الأسعار في ظل الأوضاع الاقتصادية

مع استمرار الحكومة في تنفيذ سياسات الإصلاح الاقتصادي وتحرير الدعم، يتوقع المزيد من الزيادات في أسعار الوقود والطاقة في السنوات المقبلة. في ظل هذه الأوضاع، قد تضطر الأسر المصرية إلى تغيير نمط استهلاكها والبحث عن بدائل أقل كلفة. لكن تبقى الأوضاع صعبة، خاصة في ظل عدم وجود زيادة ملحوظة في مستويات الدخل.

ختامًا، تشكل زيادة أسعار غاز البوتاجاز بنسبة 50% جزءًا من سلسلة الزيادات التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة. وبينما تسعى الحكومة إلى تحسين الوضع المالي للدولة، يبقى المواطن المصري هو المتضرر الأكبر من هذه السياسات، حيث يواجه صعوبة متزايدة في تلبية احتياجاته الأساسية.