في مشهد واحد يمكن أن نقرأ الكثير عن اتجاهات الثقافة الرسمية في المنطقة: في الرياض، يكرِّم تركي آل الشيخ وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة» في حفل «Joy Awards»، رغم تاريخه الصدامي مع الحجاب ومواقفه المثيرة للجدل في الوسط الثقافي المصري.
وفي الجو نفسه من الجدل، تشتعل صفحات التواصل في السعودية ومصر بنقاش حاد حول أحقية العالم البلاغي الأزهري الدكتور محمد محمد أبو موسى بجائزة الملك فيصل العالمية، بين كتاب علمانيين يقللون من قيمته، وأكاديميين وباحثين يرون فيه أحد أعمدة البلاغة العربية المعاصرة.
بين «روقه» الذي ارتبط اسمه بالتقارير الأمنية وبالسخرية من الحجاب، و«أبو موسى» الذي قضى عمره في خدمة لغة القرآن وتراثها البلاغي، تظهر مفارقة لافتة: من الذي تحرص مؤسسات الترفيه والجوائز على إبرازه كنموذج؟ ومن الذي يُستَكثر عليه التكريم حتى وإن جاء من واحدة من أعرق الجوائز الإسلامية؟
فاروق حسني: من إساءة الحجاب إلى تتويج «الإنجاز مدى الحياة»
تكريم تركي آل الشيخ لفاروق حسني في حفل «Joy Awards» لم يمرّ بهدوء؛ فالرجل ليس مجرد وزير ثقافة سابق، بل رمز لمرحلة كاملة من استعلاء ثقافي على التدين الشعبي. حسني اشتهر بتصريحاته المسيئة للحجاب، حين وصفه بأنه «عودة إلى الوراء»، ورفض لاحقًا التراجع أو الاعتذار، مؤكّدًا أن المرأة «كالزهرة» يجب أن تبقى مكشوفة للناظرين، ومضيفًا أن الحجاب «ليس من الدين بل ظاهرة مستوردة».
هذا الموقف لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل تحوّل إلى عنوان لتصور أوسع: ثقافة رسمية ترى في المظاهر الإسلامية تهديدًا «لـحداثتها» الشكلية، وتتعامل مع التدين الشعبي بوصفه عائقًا أمام الصورة التي تريدها السلطة لنفسها أمام الغرب.
ورغم الجدل الذي أثارته تصريحاته في حينه، والتي دفعته إلى إعلان استقالته قبل أن يُطلَب منه البقاء، استمر فاروق حسني واحدًا من أطول وزراء الثقافة عمرًا في حكومة مبارك، حتى صار له لقب ساخر في كواليس السلطة: «روقه»، على لسان زكي بدر، في إشارة إلى مواقفه من الشواذ وارتباطه بكتابة التقارير عن المثقفين والأكاديميين لصالح أجهزة أمنية، خاصة خلال فترة وجوده في باريس.
أن يُمنَح اليوم جائزة «الإنجاز مدى الحياة» في حفل ترفيهي ضخم، وبحفاوة رسمية وإعلامية، يعني أن هذا النمط من الرموز لا يزال مقبولًا ومطلوبًا، وأن ذاكرة الإساءة للحجاب أو الاتهامات بالعمل الأمني داخل الوسط الثقافي لا تشكِّل عائقًا أمام الاحتفاء به. هنا يطرح السؤال نفسه: ما الرسالة التي تُوجَّه لجمهور عربي واسع، تُهاجَم فيه رموز دينية وعلمية محافظة، بينما يُحتفى برجل مثل حسني رمزًا لـ«الإنجاز الثقافي»؟
جائزة الملك فيصل وأبو موسى: حين يتحول التكريم إلى ساحة تصفية حسابات
على الطرف الآخر، أثار منح جائزة الملك فيصل العالمية للبلاغة والدراسات اللغوية للعالم الأزهري الدكتور محمد محمد أبو موسى موجة انتقادات من كتاب سعوديين، من بينهم علي الشدوي وأحمد حسن صبرة. الاتهامات الموجهة لأبي موسى تلخّصت في كونه «سطحيًّا»، و«يمثّل الهامش في الفكر العربي»، ومعاديًا «لكل جديد وغربي»، ولا يؤمن بفن الرواية، بل واتُّهِم بالتطرف لأنه أثنى على قاتل أحد القائلين بخلق القرآن، مع الادعاء بأنه أقل قيمة علمية من أسماء مثل مصطفى ناصف وتمام حسان.
هذه الحملة دفعت الأكاديمي المصري الدكتور وجيه يعقوب السيد إلى كتابة رد مطوَّل، فنّد فيه مجمل هذه الاتهامات، واعتبر أن الجدل حول الجوائز أمر طبيعي، لكن ما طُرح بحق أبي موسى يفتقر إلى أبسط قواعد المنهج العلمي. يعقوب أشار إلى أنه بحث عن أي نص موثق يثبت عداء الشيخ للرواية أو الحداثة فلم يجد شيئًا، وأن الاتهامات اعتمدت على «ما نقله مقربون»، وهو ما يعده خللاً منهجيًا فادحًا.
كما ذكّر بأن الخلاف حول الجوائز ليس جديدًا؛ فيوسف إدريس نفسه اعترض على منح نجيب محفوظ نوبل، ومع ذلك لم يشكك أحد في قيمة محفوظ. ثم قدّم صورة مغايرة لأبي موسى: عالم يثني على الفكر الغربي حين يستحق، ويدعو للتعايش، ويرى في علاقة أستاذه محمود شاكر بطه حسين نموذجًا للاختلاف مع الحفاظ على الاحترام.
فى دفاعه، شدّد يعقوب على أن منهج أبي موسى العلمي يقوم على قراءة البلاغة والتراث بأدوات عربية من داخل النص، لا بشفرات نقدية وافدة بالضرورة، وأن هذا اجتهاد مشروع لا يبرر وصفه بالسطحية أو «الهامشية»، بل على العكس: الرجل أعاد قراءة نصوص بلاغية كبرى بلغة عصرية، وقرّبها لجيل جديد وسط موجة تشكيك واسعة في التراث.
خلاصة ما وصل إليه يعقوب أن الاتهامات الموجهة لأبي موسى غير موثقة، وأن الخلاف معه، إن وُجد، ينبغي أن يكون خلافًا علميًا في المنهج، لا تقليلًا من قيمته أو تشويهًا لسيرته.
أبو موسى في شهادات تلامذته والباحثين: «البلاغة سلوك قبل أن تكون نصًا»
إلى جانب ردود الأكاديميين، قدّم باحثون سعوديون وفلسطينيون شهادات تكشف وزن أبي موسى العلمي والإنساني. الباحث السعودي فهد البكر ذكّر بمعايير جائزة الملك فيصل: الانضباط المنهجي، غزارة الإنتاج، تأثير المدرسة العلمية، كثافة المتتلمذين وتأثيرهم، معتبرًا أن هذه العناصر مجتمعة تفسّر وصول أبي موسى إلى الجائزة، لا العكس.
وأشار البكر إلى أن الرجل ألّف أكثر من ثلاثين كتابًا في مجال اللغة والبلاغة المتصلة بإيضاح إعجاز القرآن، وشارك في مئات الندوات والمؤتمرات، وعقد أكثر من ثلاثمائة مجلس فى الجامع الأزهر لشرح كتب التراث، فضلًا عن عضويته التأسيسية فى هيئة كبار العلماء بالأزهر، وفوزه بجائزة الكتاب العربي عام 2024، متسائلًا: أليس هذا رصيدًا كافيًا ليستحق جائزة كبرى؟
طالع من هنا: رابط السيرة على موقع الجائزة
شهادات أخرى جاءت من باحثين أمثال أحمد محمد عبد الفتاح، الذى رأى أن أبا موسى – وقد بلغ التسعين – لا يزال يعلّم ويقرب التراث للأجيال الجديدة، ومن الكاتب الفلسطيني مأمون كبها الذى وصف لقاؤه الأول بالشيخ فى رحاب الأزهر بأنه لقاء مع «قامة علمية وخلقية نادرة»، عالم «يتكلم البلاغة سلوكًا قبل أن يشرحها نصًا»، أعاد للنص العربي هيبته، وربط البلاغة بروحها القرآنية، لا بقشورها التعليمية.
أما الباحث سعيد الغامدي فنبّه إلى أن جائزة الملك فيصل قائمة منذ خمسين عامًا على منهجية واضحة، وأن الطعن فى اختياراتها بهذا الأسلوب قد يكشف أحيانًا عن حزازات شخصية أو غيرة أكثر مما يكشف عن نقد علمي رصين، بينما ذهب محمد إسماعيل زيد إلى أبعد من ذلك بقوله: «الجائزة لا تزيد الدكتور محمد أبو موسى شيئًا، بل هو ما يشرفها، ولكن لا يضر السماء غبار الطريق».
فى ضوء هذه الشهادات، يبدو المشهد أكثر وضوحًا: سلطة ترفيه تحتفى برمز ثقافي ذى تاريخ ملتبس مع الدين والحرية والحقبة الأمنية، فى مقابل عالم أزهريّ قضى عمره فى خدمة لغة القرآن، لا يزال يُنقَّب فى أهليته لجائزة علمية. بين هذين النموذجين، يتحدد – إلى حد بعيد – أيُّ «نخبة» تريدها منطقتنا، وأى رموز نختار أن نرفعها فى وجه الأجيال القادمة.

