أطلق مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، مستندًا إلى تقارير الأمم المتحدة وشركائها، جرس إنذار شديد اللهجة بشأن السودان: عام 2026 قد يكون عام الانهيار الكامل لمنظومة الأمن الغذائي، مع توسُّع خطير في “الفجوات الحرجة” لخدمات التغذية نتيجة استمرار الحرب، وموجات النزوح، وتصاعد «حرب المسيَّرات» التي باتت تستهدف المدنيين والبنية التحتية وطرق الإمداد مباشرة.

 

التقديرات الأممية تتحدث عن 8.4 مليون شخص بحاجة إلى مساعدة تغذوية عاجلة هذا العام، من بينهم 5 ملايين طفل دون الخامسة، و4.2 مليون طفل وامرأة حامل ومرضع يعانون من سوء تغذية حاد، بينهم أكثر من 824 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حادًا وخيمًا يهدد حياتهم مباشرة.

 

فى الخلفية، يعيش السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا: 33.7 مليون إنسان، بينهم 17.3 مليون طفل، بحاجة إلى دعم منقذ للحياة، بينما يواجه أكثر من 21 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، مع تأكيد وجود أوضاع مجاعة فعلية في بعض مناطق دارفور وكردفان.

 

أولًا - أرقام المجاعة تخرج من التقارير إلى واقع القرى والمخيمات

 

تقرير الأمم المتحدة الأخير، الذي استند إليه مرصد الأزهر، يرسم صورة قاتمة للسودان فى 2026:

 

- 8.4 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات تغذوية.

 

- 5 ملايين طفل دون الخامسة مهددون بنقص التغذية.

 

- 3.4 مليون امرأة حامل ومرضع ضمن الفئات الأكثر عرضة للخطر.

 

- 4.2 مليون طفل وامرأة متوقع إصابتهم بسوء تغذية حاد، بينهم 824 ألف طفل بسوء تغذية حاد وخيم (SAM) يرفع خطر الوفاة بشكل هائل دون تدخل عاجل.

 

المسوحات التغذوية (SMART) تكشف أن 31 من أصل 61 مسحًا سجّلت نسب هزال (سوء تغذية حاد) عند 15% فأكثر، متجاوزةً عتبة الطوارئ التي يحددها معيار منظمة الصحة العالمية، بينما سجّل أحد المسوحات نسبة 34.2%، وهي نسبة ترتبط بمستوى «حافة المجاعة» في علم التغذية الإنسانية.

 

هذه الأرقام لا تعني فقط أطفالًا نحيلين ونساء مرهقات، بل تعني انهيارًا كاملًا في الدورة الحياتية لمجتمعات كاملة: أطفال بلا نمو طبيعي جسدي أو عقلي، أمهات عاجزات عن الرضاعة بسبب الجوع والمرض، قُرى تعيش على وجبة واحدة سيئة القيمة فى اليوم – إن وُجدت – ومخيمات نزوح تتحول إلى بؤر مكتظة للأمراض والأوبئة. تقارير اليونيسف تشير إلى أن الملايين من الأطفال خارج التعليم، وأن مئات الآلاف منهم يُعالَجون من سوء التغذية الحاد، وأن الأزمة مرشّحة للتفاقم مع استمرار الحرب ونقص التمويل.

 

فى هذا السياق، يصبح تحذير مرصد الأزهر من أن السودان يتجه إلى «أكبر كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين» ليس مبالغة إنشائية، بل قراءة منسجمة تمامًا مع بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة على الأرض.

 

ثانيًا - كردفان تحت الحصار… وحرب المسيَّرات تخنق سلاسل الإمداد

 

على الأرض، يتحول إقليم كردفان إلى واحد من أخطر بؤر الكارثة. تقارير أممية وصحفية تشير إلى أن مدينتي كادوقلي والدلنج تعيشان تحت حصار قاسٍ منذ شهور، مع قطع الطرق، وتعطيل الإمدادات الغذائية والدوائية، ونزوح يُقدَّر بأكثر من 800 ألف شخص من الإقليم، كثير منهم إلى ولايات أخرى أو مخيمات عشوائية.

 

فى هذا السياق، تصاعدت «حرب المسيَّرات» إلى مستوى جديد من الخطورة. تقارير ميدانية حديثة وثّقت:

 

هجمات مكثفة بطائرات مسيَّرة على مدينة الأُبيض، عاصمة شمال كردفان، فى يناير 2026، استهدفت أحياء سكنية ومنشآت حيوية ومحطة كهرباء؛ ما أدى إلى انقطاع واسع للتيار عن المدينة ومحيطها.

 

مقتل وإصابة مدنيين، بينهم أطفال ونساء، فى ضربات استهدفت منازل وأسواقًا وطرق إمداد تربط غرب السودان بالعاصمة.

 

مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، وصف ما يعيشه السودانيون بأنه «أهوال وجحيم»، محذرًا صراحة من أن ما جرى فى مدينة الفاشر من حصار وتجويع وجرائم قد يتكرر فى كردفان مع اتساع نطاق القتال واستخدام الأسلحة المتطورة، وعلى رأسها المسيَّرات.

 

عندما تُستهدَف الطرق الرئيسة، ومحطات الكهرباء، والجسور، ومستودعات الغذاء، تصبح سلاسل الإمداد فى حالة «هشاشة قصوى» كما وصفها مرصد الأزهر؛ فكل ضربة ناجحة على طريق أو جسر أو محطة توليد لا تعطل الجيش أو الميليشيا فقط، بل تقطع الأوكسجين عن مدن وقرى كاملة تعتمد على هذه الشرايين لوصول الغذاء والمياه والوقود.

 

ثالثًا - الغذاء كسلاح وجريمة حرب… وجرس إنذار أخير للمجتمع الدولي

 

مرصد الأزهر، وهو يتابع هذه التطورات، لم يكتفِ بقراءة إنسانية للكارثة، بل وجّه اتهامًا قانونيًا صريحًا: تحويل الغذاء وسلاسل الإمداد إلى سلاح فى الحرب، عبر حصار المدن وقصف الطرق الحيوية بالمسيَّرات، هو «جريمة حرب مكتملة الأركان». هذا الوصف يتوافق مع القانون الإنساني الدولي، الذى يجرّم تجويع المدنيين كأداة من أدوات القتال، سواء عبر الحصار، أو منع الإغاثة، أو استهداف البنية التحتية الحيوية عمدًا.

 

لكن الأخطر، كما يحذر المرصد وتقارير الأمم المتحدة، هو تدمير البنية التحتية للصحة والتغذية:

 

أكثر من 70% من المرافق الصحية فى أكثر المناطق تأثرًا بالحرب شبه متوقفة أو مدمَّرة.

 

مخيمات نزوح مكتظة، ومياه ملوثة، وانهيار فى خدمات الصرف الصحي، ما يعنى موجات متزايدة من الكوليرا والأوبئة تجعل من سوء التغذية بوابة مفتوحة للموت الجماعي.

 

فى ظل هذا كله، يطالب مرصد الأزهر بـ:

 

- فرض ممرات إنسانية آمنة فورًا لوصول الغذاء والدواء إلى المناطق المحاصَرة، خصوصًا فى دارفور وكردفان.

 

- ضغط دولي جاد لوقف التصعيد العسكري، خصوصًا استخدام المسيَّرات ضد البنية التحتية والطرق الحيوية.

 

- محاسبة المسؤولين عن استخدام التجويع كسلاح حرب أمام الآليات الدولية المعنية بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

 

فإذا كان فولكر تورك يقول إن السودانيين يعيشون «أهوالًا وجحيمًا»، فإن الأرقام القادمة من وكالات الأمم المتحدة تقول إننا أمام كارثة لا تهدد حاضر السودان فقط، بل تهدد مستقبل جيل كامل من الأطفال المهددين بالجوع، والمرض، والحرمان من التعليم. تحذير مرصد الأزهر يمكن قراءته بوصفه الإنذار الأخير قبل أن تتحول المجاعة من خطر متوقع إلى واقع مفروض، وعندها لن يسأل التاريخ: من كتب البيانات؟ بل سيسأل: من ترك السودان يسقط فى هذا الجحيم وهو يراه ينهار رقمًا بعد رقم، ومدينة بعد أخرى؟