تشهد الساحة المصرية حالة من التدهور الأخلاقي بعد غياب التيار الإسلامي عن الساحة المصرية وخاصة المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين، حيث اتسعت دائرة الفساد الأخلاقي في الأوساط الدينية التي كانت تُعتبر سابقًا حصنًا منيعًا للقيم الدينية. وتُعد قضية صلاح الدين التجاني، الذي ينتمي للطريقة التجانية، مثالًا حيًا على هذا الانحدار. فمنذ أيام قليلة، تعرض التجاني لحملة اتهامات واسعة بالتحرش الجنسي، حيث أعلنت مؤسسة "قضايا المرأة المصرية" تلقيها ثلاث شكاوى من سيدات يدعين تعرضهن للتحرش الإلكتروني الجنسي من قبل التجاني، وأكدت المؤسسة أنها ستتخذ الإجراءات القانونية اللازمة لحمايتهن من التهديدات المستمرة من قبله وأتباعه. تأتي هذه الاتهامات على خلفية منشور على فيسبوك كتبته فتاة تُدعى خديجة، والتي اتهمت التجاني بالتحرش بها عبر إرسال رسائل غير لائقة، منها صورة إباحية تعود لعام 2016. ووفقًا لخديجة، فقد حذفت الصورة وقتها، لكنها أعربت عن ندمها على ذلك لأنه كان يمكن أن يكون دليلاً دامغًا ضد التجاني. القضية تصاعدت سريعًا لتصل إلى حد اختراق قناته الرسمية على "يوتيوب"، حيث تم تغيير اسمها إلى "خديجة تقول الحقيقة، صلاح كاذب"، وتم حذف جميع مقاطع الفيديو الخاصة به باستثناء فيديو واحد. وقد ظهر التجاني في بث مباشر على موقع "تيليجراف مصر"، مدافعًا عن نفسه ومعلنًا اتخاذه الإجراءات القانونية ضد الفتاة، مدعيًا أن الفتاة ووالدها وشقيقها يعانون من اضطرابات نفسية. ورغم نفيه التهم، إلا أنه أقر بأن هذه ليست المرة الأولى التي يُتهم فيها بالتحرش، مشيرًا إلى أنه واجه اتهامات مشابهة من قبل، واعتبرها افتراءات كاذبة. هذا التطور أثار ردود فعل قوية داخل الطريقة التجانية، حيث أصدرت مشيختها في مصر بيانًا تبرأت فيه تمامًا من صلاح الدين التجاني، موضحة أنه تم عزله عن أي مسمى تابع للطريقة التجانية منذ سنوات. وقد حاول التجاني سابقًا الحصول على اعتراف رسمي من المجلس الأعلى للطرق الصوفية بطريقته "الصلاحية التجانية الجديدة"، لكن طلبه قوبل بالرفض بسبب مخالفته للأعراف الصوفية. ما حدث يكشف عن أزمة حقيقية في الأوساط الدينية المصرية، حيث تعاني بعض الطرق الصوفية من غياب الرقابة والتوجيه، مما يسمح لبعض الشخصيات التي تفتقر إلى النزاهة والالتزام الأخلاقي باستغلال الدين لتحقيق مصالح شخصية. ومع غياب التيارات الدينية القوية مثل الإخوان المسلمين عن المشهد، يبدو أن الفراغ قد شجع بعض الشخصيات التي تدعي الزعامة الروحية على التصرف بلا رادع. إن الأزمة الحالية تُظهر بوضوح كيف أن غياب التيار الديني الذي كان يمثل نوعًا من الرقابة الشعبية، أدى إلى ظهور حالات من الانفلات الأخلاقي، حتى بين أولئك الذين يُفترض أن يكونوا رموزًا للدين والفضيلة. فتاريخ الجماعات الصوفية في مصر يعج بالكثير من الشخصيات التي كانت تُعد رموزًا للتصوف والإصلاح الديني، ولكن اليوم يبدو أن بعض تلك الرموز قد انحرفت عن مسارها، لتتحول إلى أدوات للفساد والانحراف الأخلاقي. القضية أيضًا تعكس جوانب أخرى من المشكلة، حيث أن ظهور مثل هذه الفضائح على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر كيف أن الفضاء الرقمي أصبح ساحة للتعبير عن الظلم والفضح، بعدما فقدت الكثير من المنظمات التقليدية مصداقيتها في أعين المجتمع. ولكن في الوقت نفسه، تبرز خطورة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كسلاح في المعارك الشخصية، حيث أن الاتهامات غير المثبتة يمكن أن تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات الشخصية أو لتشويه السمعة. تظل القضية قيد التحقيق، ومن المتوقع أن تثير المزيد من الجدل في الأيام القادمة، خاصة إذا ما ظهرت شهادات جديدة أو أدلة إضافية. وفي هذا السياق، يبقى السؤال: هل ستتمكن المؤسسات الدينية والقانونية في مصر من التعامل بحزم مع هذه القضية، أم أن التجاني سيجد طريقه للهروب من العقاب، كما حدث في قضايا مشابهة من قبل؟ في الختام، لا يمكن إنكار أن هناك أزمة حقيقية في الأوساط الدينية المصرية تتعلق بغياب النازع الديني والرقابة الأخلاقية، وقد تكون هذه القضية مجرد رأس جبل الجليد، مما يفرض على المجتمع والدولة معًا أن يعيدا النظر في آليات الرقابة والإصلاح الديني لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث المؤسفة.

