يبدو أن شهر أكتوبر، الذي تحتفل فيه إسرائيل بعدة أعياد دينية يهودية، بات يحمل معها نذير شؤم للاحتلال الإسرائيلي. فبعد الذكرى الأولى لعملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023، عاشت إسرائيل على وقع هجوم صاروخي مفاجئ من إيران، حيث استهدفت طهران الأراضي المحتلة بعشرات الصواريخ الباليستية.

جاء هذا الهجوم الصاروخي كرد فعل على اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، في العاصمة الإيرانية طهران، والأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في بيروت.

وبينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش حالة من النشوة بعد سلسلة من الاغتيالات التي اعتبرها إنجازات عظيمة، جاءت الضربة الإيرانية لتخلط الأوراق وتجبره على الاختباء في ملجأ محصن تحت الأرض.

كسر نشوة الانتصار الشخصي
بعد اغتيال نصر الله، خرج نتنياهو بتصريحات تفيد بأن "لا يوجد مكان في إيران أو الشرق الأوسط لن تصل إليه ذراع إسرائيل الطويلة"، مشددًا على أن هذه العمليات كانت ضرورية لتحقيق الأهداف التي حددتها الحكومة. إلا أن الهجوم الإيراني جاء ليكسر هذه النشوة ويعيد التوتر إلى الداخل الإسرائيلي.

ويرى الدكتور سليمان بشارات، الخبير في الشأن الإسرائيلي، أن "الضربة الإيرانية في توقيتها وشكلها بالضبط ستسحب البساط من تحت أقدام نتنياهو وتفقده الانتصار الذي حاول استعراضه".

وأكد بشارات أن إسرائيل لا تزال تعاني من صدمة هجوم السابع من أكتوبر 2023، وتوقيت الضربة الإيرانية يعيد تذكير الشعب الإسرائيلي بالفشل الاستخباراتي والعسكري في ذلك اليوم.

إسرائيل بين ترميم الردع وفقدان الثقة منذ السابع من أكتوبر، تحاول إسرائيل ترميم صورتها الردعية التي تضررت جراء العملية العسكرية غير المتوقعة لحركة حماس. وعلى الرغم من أن الهجوم الإيراني لم يسفر عن أضرار كبيرة وفقاً للتقارير الأولية، فإن تأثيره النفسي كان بالغًا على المجتمع الإسرائيلي وعلى القيادة السياسية والعسكرية.

"إسرائيل في كل مرة تحاول أن تعيد ترميم صورتها وهيبتها، تعود لتتهشم مرة أخرى،" يقول بشارات. وأشار إلى أن الضربات الإيرانية المتكررة تأتي في وقت تعاني فيه إسرائيل من عدم استقرار داخلي، سواء في جبهاتها الخارجية أو في قدرتها على توفير الأمن للإسرائيليين.

الضربة الإيرانية ووعود نتنياهو الفاشلة
بعد الضربة الإيرانية، سقطت وعود نتنياهو المتكررة بتوفير الأمان للإسرائيليين في مهب الريح. فبينما كان يصرح بأن "لا مكان آمن" إلا تحت ظل الحكومة الإسرائيلية، جاءت الضربة لتؤكد أن الإسرائيليين في قلب المدن الإسرائيلية باتوا عرضة للخطر المستمر.

وكانت حكومة نتنياهو قد وضعت أهدافاً متعددة لحربها في غزة، بما في ذلك استعادة الأسرى الإسرائيليين والقضاء على حركة حماس. ومع ذلك، لم يتحقق أي من هذه الأهداف، بل توسع نتنياهو في حربه لتدمير قطاع غزة بشكل وحشي دون تحقيق نصر حقيقي.

رد إسرائيلي محكوم بالحسابات السياسية
عقب الهجوم الإيراني، صرح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دانيال هاغاري، بأن "الهجوم الصاروخي الإيراني خطير وسيكون له عواقب". إلا أن كيفية الرد الإسرائيلي لا تزال غير واضحة، حيث ترفض تل أبيب تحديد متى وكيف سترد على هذه الضربة.

ويرى بشارات أن الرد الإسرائيلي محكوم بحسابات سياسية دقيقة، فإسرائيل تدرك أن أي تصعيد قد يؤدي إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، وهو ما قد لا يكون المجتمع الدولي أو الإسرائيلي مستعدًا لتحمله في هذه المرحلة.

التوازن الداخلي الإسرائيلي في خطر
أحد العوامل التي تزيد من تعقيد المشهد هو توحد الجبهة الإسرائيلية الداخلية بشأن الحرب مع حزب الله، على عكس الوضع في حرب غزة. فقد ارتفعت الأصوات الإسرائيلية المطالبة بالتصعيد ضد حزب الله منذ اليوم الأول للحرب على غزة، معتبرة أن الجبهة الشمالية تشكل خطرًا أكبر من قطاع غزة.
هذا التوحد الداخلي دفع نتنياهو إلى تحقيق مكاسب سياسية مؤقتة، حيث ارتفعت شعبيته بشكل ملحوظ في استطلاعات الرأي الأخيرة.

ومع ذلك، جاءت الضربة الإيرانية لتعيد المشهد إلى حالة من التوتر والقلق، مما يهدد استقرار الحكومة الإسرائيلية على المدى الطويل.

مستقبل نتنياهو السياسي على المحك
بعد تحقيقه لما اعتبره نجاحات تكتيكية، قد يكون نتنياهو قد ظن أن مستقبله السياسي بات مؤمّنًا. إلا أن الضربة الإيرانية قد تكون هي المسمار الأخير في نعش طموحاته السياسية.

وعلى الرغم من أن نتنياهو استطاع تحييد المعارضة مؤقتًا وجلب استقرار نسبي لحكومته، إلا أن الهجمات المستمرة والتحديات الأمنية قد تجعل من الصعب عليه البقاء في السلطة حتى عام 2026.

في النهاية، ستظل الحسابات السياسية المعقدة والضغوط الداخلية والخارجية تلاحق نتنياهو، وسيكون عليه مواجهة واقع جديد حيث لا يمكنه تقديم الأمن الكامل للإسرائيليين، وهو الوعد الذي استند عليه لتحقيق نجاحاته السياسية.