تعيش منطقة الشرق الأوسط في ظل تصعيدٍ خطيرٍ في التوترات بين إيران وإسرائيل، حيث تتزايد حدة المواجهات العسكرية والتصريحات العدائية. تُثير هذه التطورات مخاوفً واسعةً حول تداعياتها على الأمن والاستقرار في المنطقة العربية والإقليمية، خاصةً في ظل الظروف السياسية المعقدة التي تحيط بهذه الأزمات. الاحتكاكات العسكرية تشهد الساحة السورية تصعيدًا عسكريًا متبادلًا بين طهران وتل أبيب، حيث زادت الهجمات الإيرانية على القوات الإسرائيلية. تُشير التقارير إلى أن الطائرات الحربية الإسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية إيرانية في سوريا، بما في ذلك مستودعات الأسلحة التي يُعتقد أنها موجهة لحزب الله اللبناني. في المقابل، أعلنت إيران استعدادها للانتقام، مشددةً على أنها لن تتوانى عن الدفاع عن مصالحها في المنطقة. هذا التصعيد يُعبر عن قلقٍ متزايد من إمكانية نشوب صراع أوسع، حيث يُعتقد أن إيران قد تستغل الفرصة لتعزيز نفوذها من خلال دعم المجموعات المسلحة المناهضة لإسرائيل، مثل حزب الله والفصائل الفلسطينية. الأبعاد السياسية تأتي هذه التصعيدات في إطار معقد من العلاقات السياسية، إذ تعتبر إسرائيل، تحت قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إيران التهديد الأكبر لأمنها. تسعى تل أبيب للحد من النفوذ الإيراني المتزايد في العراق وسوريا ولبنان، بينما تُظهر طهران إصرارًا على تعزيز قدراتها العسكرية وتطوير برنامجها النووي، مما يزيد من حدة التوترات في المنطقة. في هذا السياق، تحاول إسرائيل تشكيل تحالفات جديدة مع الدول العربية التي تشعر بالقلق من النفوذ الإيراني. تمثل اتفاقيات التطبيع الأخيرة مع دول مثل الإمارات والبحرين خطوة استراتيجية نحو مواجهة التحديات المشتركة. لكن هذه التحالفات قد تُعقد الوضع في المنطقة، حيث يُمكن أن تدفع إيران إلى تعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة هذه التكتلات الجديدة. الانعكاسات الاقتصادية لا تقتصر آثار التصعيدات على الجانب العسكري فحسب، بل تشمل أيضًا تبعات اقتصادية هامة. تزايد المخاوف من أن تؤدي هذه التصعيدات إلى زعزعة استقرار الأسواق المالية، مما قد يؤثر سلبًا على الاستثمار والنمو الاقتصادي في دول المنطقة. علاوةً على ذلك، فإن استهداف المواقع النفطية والموانئ البحرية قد يُؤثر على تدفق النفط العالمي، مما يُسبب ارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية. وهذا يعني أعباء اقتصادية إضافية على الدول المستوردة للنفط، مثل مصر والأردن، مما يجعل هذه الدول أكثر عرضة لتداعيات التصعيدات. الانعكاسات الاجتماعية تتجاوز آثار التصعيدات الإيرانية الإسرائيلية الجانب الاقتصادي والعسكري، لتصل إلى الجوانب الاجتماعية. مع تصاعد التوترات، يُمكن أن تشتعل النزاعات الطائفية في بعض الدول، مما يؤدي إلى تفشي العنف والانقسام الاجتماعي. هذا الانقسام، الذي يُعاني منه دول مثل العراق ولبنان، يُمكن أن يستغله المتطرفون لتحقيق أهدافهم. التطورات الأخيرة يبدو أن شهر أكتوبر، الذي تحتفل فيه إسرائيل بعدة أعياد دينية يهودية، بات يحمل نذير شؤم للاحتلال الإسرائيلي. فبعد الذكرى الأولى لعملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023، تعرضت إسرائيل لهجوم صاروخي مفاجئ من إيران، حيث استهدفت طهران الأراضي المحتلة بعشرات الصواريخ الباليستية. جاء هذا الهجوم كرد فعل على اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، في العاصمة الإيرانية طهران، والأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في بيروت. وبينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش حالة من النشوة بعد سلسلة من الاغتيالات التي اعتبرها إنجازات عظيمة، جاءت الضربة الإيرانية لتخلط الأوراق وتجبره على الاختباء في ملجأ محصن تحت الأرض. كسر نشوة الانتصار الشخصي بعد اغتيال نصر الله، خرج نتنياهو بتصريحات تفيد بأن "لا يوجد مكان في إيران أو الشرق الأوسط لن تصل إليه ذراع إسرائيل الطويلة"، مشددًا على أن هذه العمليات كانت ضرورية لتحقيق الأهداف التي حددتها الحكومة. إلا أن الهجوم الإيراني جاء ليكسر هذه النشوة ويعيد التوتر إلى الداخل الإسرائيلي. ويرى الدكتور سليمان بشارات، الخبير في الشأن الإسرائيلي، أن "الضربة الإيرانية في توقيتها وشكلها بالضبط ستسحب البساط من تحت أقدام نتنياهو وتفقده الانتصار الذي حاول استعراضه". وأكد بشارات أن إسرائيل لا تزال تعاني من صدمة هجوم السابع من أكتوبر 2023، وتوقيت الضربة الإيرانية يعيد تذكير الشعب الإسرائيلي بالفشل الاستخباراتي والعسكري في ذلك اليوم. إسرائيل بين ترميم الردع وفقدان الثقة منذ السابع من أكتوبر، تحاول إسرائيل ترميم صورتها الردعية التي تضررت جراء العملية العسكرية غير المتوقعة لحركة حماس. وعلى الرغم من أن الهجوم الإيراني لم يسفر عن أضرار كبيرة وفقًا للتقارير الأولية، فإن تأثيره النفسي كان بالغًا على المجتمع الإسرائيلي وعلى القيادة السياسية والعسكرية.
"إسرائيل في كل مرة تحاول أن تعيد ترميم صورتها وهيبتها، تعود لتتهشم مرة أخرى،" يقول بشارات. وأشار إلى أن الضربات الإيرانية المتكررة تأتي في وقت تعاني فيه إسرائيل من عدم استقرار داخلي، سواء في جبهاتها الخارجية أو في قدرتها على توفير الأمن للإسرائيليين. الضربة الإيرانية ووعود نتنياهو الفاشلة بعد الضربة الإيرانية، سقطت وعود نتنياهو المتكررة بتوفير الأمان للإسرائيليين في مهب الريح. فبينما كان يصرح بأن "لا مكان آمن" إلا تحت ظل الحكومة الإسرائيلية، جاءت الضربة لتؤكد أن الإسرائيليين في قلب المدن الإسرائيلية باتوا عرضة للخطر المستمر. وكانت حكومة نتنياهو قد وضعت أهدافاً متعددة لحربها في غزة، بما في ذلك استعادة الأسرى الإسرائيليين والقضاء على حركة حماس. ومع ذلك، لم يتحقق أي من هذه الأهداف، بل توسع نتنياهو في حربه لتدمير قطاع غزة بشكل وحشي دون تحقيق نصر حقيقي. رد إسرائيلي محكوم بالحسابات السياسية عقب الهجوم الإيراني، صرح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دانيال هاغاري، بأن "الهجوم الصاروخي الإيراني خطير وسيكون له عواقب". إلا أن كيفية الرد الإسرائيلي لا تزال غير واضحة، حيث ترفض تل أبيب تحديد متى وكيف سترد على هذه الضربة. ويرى بشارات أن الرد الإسرائيلي محكوم بحسابات سياسية دقيقة، فإسرائيل تدرك أن أي تصعيد قد يؤدي إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، وهو ما قد لا يكون المجتمع الدولي أو الإسرائيلي مستعدًا لتحمله في هذه المرحلة. التوازن الداخلي الإسرائيلي في خطر أحد العوامل التي تزيد من تعقيد المشهد هو توحد الجبهة الإسرائيلية الداخلية بشأن الحرب مع حزب الله، على عكس الوضع في حرب غزة. فقد ارتفعت الأصوات الإسرائيلية المطالبة بالتصعيد ضد حزب الله منذ اليوم الأول للحرب على غزة، معتبرة أن الجبهة الشمالية تشكل خطرًا أكبر من قطاع غزة. هذا التوحد الداخلي دفع نتنياهو إلى تحقيق مكاسب سياسية مؤقتة، حيث ارتفعت شعبيته بشكل ملحوظ في استطلاعات الرأي الأخيرة. ومع ذلك، جاءت الضربة الإيرانية لتعيد المشهد إلى حالة من التوتر والقلق، مما يهدد استقرار الحكومة الإسرائيلية على المدى الطويل. مستقبل نتنياهو السياسي على المحك بعد تحقيقه لما اعتبره نجاحات تكتيكية، قد يكون نتنياهو قد ظن أن مستقبله السياسي بات مؤمّنًا. إلا أن الضربة الإيرانية قد تكون هي المسمار الأخير في نعش طموحاته السياسية. وعلى الرغم من أن نتنياهو استطاع تحييد المعارضة مؤقتًا وجلب استقرار نسبي لحكومته، إلا أن الهجمات المستمرة والتحديات الأمنية قد تجعل من الصعب عليه البقاء في السلطة حتى عام 2026. في النهاية، ستظل الحسابات السياسية المعقدة والضغوط الداخلية والخارجية تلاحق نتنياهو، وسيكون عليه مواجهة واقع جديد حيث لا يمكنه تقديم الأمن الكامل للإسرائيليين، وهو الوعد الذي استند عليه لتحقيق نجاحاته السياسية.

