تثير نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تونس العديد من التساؤلات حول مصداقية العملية الديمقراطية ومستقبل البلاد تحت حكم الرئيس قيس سعيد. الانتخابات التي شهدتها تونس مؤخرًا أدت إلى فوز سعيد بنسبة غير مسبوقة بلغت 89.2 بالمئة من الأصوات، ما أثار شكوكًا وانتقادات من قبل العديد من الأطراف، وخاصة من المنافسين السياسيين. التشكيك في النتائج أعرب المرشحان زهير المغزاوي والعياشي الزمال وفريق حملتيهما عن رفضهم للنتائج التي أعلنتها مؤسسة "سيغما كونساي" والتي أظهرت فوز سعيد بفارق كبير. زهير المغزاوي، الذي حصل على 3.9% فقط من الأصوات وفقًا للاستطلاعات، وصف النتائج بأنها "غير صحيحة ومجانبة للصواب". فيما أبدى رمزي الجبابلي، مدير حملة المرشح الزمال، استياءه من إعلان النتائج في التلفزة الوطنية، معتبرًا أنها محاولة لتوجيه الرأي العام لصالح قيس سعيد. دور الإعلام في توجيه الرأي العام من بين الانتقادات الرئيسية التي وجهت للعملية الانتخابية هي دور وسائل الإعلام، وخاصة التلفزة الرسمية، التي اعتبرتها المعارضة بأنها أصبحت "بوق دعاية" للرئيس قيس سعيد. ويعتبر الكثيرون أن التغطية الإعلامية غير المنصفة والتسريبات المبكرة للنتائج كانت تهدف إلى تثبيت فوز سعيد في أذهان الناخبين قبل إعلان النتائج الرسمية. إعلان النتائج عبر الإعلام الرسمي قبل انتهاء الفرز الكامل للأصوات يعتبر انتهاكًا للقانون التونسي، وفقًا لما أشار إليه الجبابلي. كما أشار إلى أن فريق حملة الزمال سيقوم باتخاذ إجراءات قانونية ضد التلفزة الوطنية وهيئة الانتخابات، محذرًا من أن إعلان النتائج بهذه الطريقة قد يؤثر على نزاهة الانتخابات. خلفية المرشح العياشي الزمال المعركة الانتخابية لم تكن فقط بين سعيد والمغزاوي، بل كان هناك أيضًا المرشح العياشي الزمال، الذي تحيط به قضايا قانونية أثرت على فرصه في الانتخابات. الزمال مودع حاليًا في السجن بتهم تتعلق بتزوير تزكيات انتخابية، وصدر بحقه عدة أحكام سجنية وصل مجموعها إلى 14 سنة. ورغم تلك القضايا، حصل الزمال على 6.9% من الأصوات، لكن هناك احتمال كبير بأن تُلغى هذه الأصوات استنادًا إلى الفصل 143 من قانون الانتخابات المعدل، والذي يتيح للهيئة العليا المستقلة للانتخابات إلغاء نتائج الفائزين إذا تبين أن مخالفاتهم أثرت على نزاهة العملية الانتخابية. مقارنة مع التجربة المصرية يستحضر العديد من المراقبين الوضع في تونس مقارنة مع ما حدث في مصر بعد تولي عبد الفتاح السيسي السلطة. فكما صعد السيسي إلى الرئاسة بانتخابات حصل فيها على نسبة ساحقة من الأصوات وسط اتهامات بتلاعب سياسي وإعلامي، يرى البعض أن قيس سعيد يسير على نفس النهج. نجاح سعيد الساحق في الانتخابات، وسط حملة إعلامية قوية ودعم واسع من أجهزة الدولة، يذكر بالتكتيكات التي استخدمها السيسي لترسيخ حكمه في مصر. يعتبر هذا التشابه في الأساليب بين سعيد والسيسي مصدر قلق كبير للكثيرين في تونس، الذين يرون أن سعيد يحاول فرض نفسه كرئيس بلا منازع، متجاهلاً الانتقادات المحلية والدولية بشأن تراجعه عن مبادئ الديمقراطية. الانتخابات الأخيرة وما سبقها من تضييق على الحريات السياسية والإعلامية تشير إلى تحوّل محتمل نحو نظام حكم أكثر استبدادية. تأثير الانتخابات على المشهد السياسي في تونس مع إعلان النتائج الرسمية المتوقعة من قبل هيئة الانتخابات، يترقب التونسيون مستقبلًا سياسيًا غير واضح. تراجع نسبة المشاركة التي بلغت 27.7% يعكس حالة الإحباط التي يعيشها المواطنون التونسيون، الذين لم يروا في الانتخابات وسيلة حقيقية للتغيير. قلة الإقبال على صناديق الاقتراع تعكس أيضًا شكوك المواطنين حول جدوى المشاركة في عملية يرونها محسومة سلفًا لصالح قيس سعيد. وفي ظل هذه التطورات، تواجه تونس تحديات كبيرة تتعلق بمستقبل الديمقراطية. فقد بدأت بعض المنظمات الحقوقية في انتقاد ما وصفته بمحاولات سعيد لترسيخ حكم استبدادي، وسط تراجع واضح في الحريات السياسية والإعلامية. تأتي هذه الانتقادات في وقت حساس تعيش فيه تونس أزمة اقتصادية خانقة وزيادة في التوترات الاجتماعية. دعوات لحماية المسار الديمقراطي في خضم هذه الأزمة، دعا المغزاوي إلى ضرورة تحمل هيئة الانتخابات والقوات المسلحة والأمنية مسؤوليتهم في حماية المسار الانتخابي والديمقراطي. وحذر من أن ما يجري ليس مجرد عملية انتخابية، بل يتعلق بمستقبل الوطن وأمنه القومي. تشكيك المغزاوي وغيره من المرشحين في نزاهة العملية الانتخابية يشير إلى أزمة ثقة بين النخب السياسية والشعب، وهي أزمة قد تتفاقم إذا لم تتم معالجة المخاوف المتعلقة بنزاهة الانتخابات بشكل عاجل.
خاتما ؛ في الوقت الذي ينتظر فيه التونسيون إعلان النتائج النهائية للانتخابات، تظل الشكوك والتساؤلات حول مستقبل البلاد قائمة. هل سيستمر قيس سعيد في اتباع نفس النهج الذي سلكه السيسي في مصر؟ وهل ستشهد تونس تراجعًا أكبر في الحريات السياسية والديمقراطية؟ الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار تونس السياسي وما إذا كانت ستظل ملتزمة بمسارها الديمقراطي أم ستنزلق نحو نظام حكم استبدادي جديد.

