يترقب السوق المصري والدوائر الاقتصادية اجتماع البنك المركزي المصري المرتقب خلال الأيام المقبلة، حيث من المتوقع أن يناقش البنك مجموعة من القضايا الحساسة المتعلقة بالسياسة النقدية، وأبرزها قرار الفائدة ومسألة تحرير سعر صرف الجنيه، أو ما يعرف بالتعويم. يأتي هذا الاجتماع في وقت تشهد فيه البلاد ضغوطًا اقتصادية متزايدة، تتمثل في ارتفاع معدلات التضخم، نقص العملة الأجنبية، وتباطؤ النمو الاقتصادي. التضخم وتأثيره على قرار الفائدة واحدة من أكبر القضايا التي تواجه البنك المركزي المصري هي كيفية التعامل مع التضخم المرتفع، الذي تجاوز في الأشهر الأخيرة مستويات قياسية، حيث سجل أكثر من 30% على أساس سنوي. يعود هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، منها ارتفاع أسعار السلع العالمية، انخفاض قيمة الجنيه، والضغوط الناجمة عن السياسات المالية التوسعية. وفي ضوء هذه الظروف، من المتوقع أن يدرس البنك المركزي إمكانية رفع أسعار الفائدة مرة أخرى. رفع الفائدة قد يكون خطوة ضرورية لكبح التضخم، لكنه يأتي بتكلفة كبيرة، حيث يرفع تكاليف الاقتراض ويضغط على الشركات والمستهلكين على حد سواء. رفع الفائدة يمكن أن يجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية، مما يساعد في دعم احتياطي النقد الأجنبي المتراجع. سيناريوهات رفع أو تثبيت الفائدة يتوقع خبراء الاقتصاد وجود سيناريوهين محتملين في هذا السياق: رفع الفائدة: إذا قرر البنك المركزي رفع أسعار الفائدة، فمن المحتمل أن يكون هذا القرار استجابة للضغوط التضخمية المتزايدة، وسيهدف إلى تقليل الإنفاق والطلب في السوق للحد من الارتفاع المستمر في الأسعار. رفع الفائدة سيكون إشارة قوية للسوق على التزام البنك بمحاربة التضخم. تثبيت الفائدة: من جهة أخرى، قد يفضل البنك المركزي تثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، خاصة في ظل الحاجة إلى الحفاظ على تكلفة الاقتراض تحت السيطرة لتشجيع النمو الاقتصادي. تثبيت الفائدة قد يكون أيضًا مرتبطًا بمخاوف حول تداعيات رفع الفائدة على الاستثمار المحلي وقطاع الأعمال، الذي يعاني بالفعل من ارتفاع التكاليف. التعويم: خيار محتمل؟ إلى جانب أسعار الفائدة، يبقى السؤال حول مستقبل سعر صرف الجنيه المصري أحد أهم المواضيع المطروحة على طاولة البنك المركزي. في الأشهر الماضية، تزايدت التكهنات حول إمكانية تحرير جديد لسعر صرف الجنيه (تعويم) استجابة للضغوط الاقتصادية ونقص العملة الأجنبية. منذ تعويم الجنيه في نوفمبر 2016، شهد الاقتصاد المصري تطورات كبيرة، إلا أن نقص تدفقات النقد الأجنبي مؤخراً، وزيادة الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء، دفع البعض إلى المطالبة بتحرير جديد لسعر الصرف. لكن التعويم يحمل معه مخاطر كبيرة، حيث قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة الواردات، مما يعزز من موجة التضخم. السيناريوهات المتوقعة لتعاطي البنك المركزي مع التعويم 1- تعويم كامل: قد يلجأ البنك المركزي إلى تحرير كامل لسعر الصرف، مما يعني ترك الجنيه يتحدد بناءً على قوى العرض والطلب في السوق. هذا السيناريو سيؤدي إلى انخفاض قيمة الجنيه بشكل أكبر، لكنه قد يجذب تدفقات نقد أجنبي أكبر ويقلل من الفجوة بين السعرين الرسمي وغير الرسمي. 2- تعويم تدريجي أو جزئي: في هذا السيناريو، قد يفضل البنك المركزي تخفيف قيوده على الجنيه بشكل تدريجي، بدلاً من تعويم كامل. هذا الخيار قد يساعد على تجنب الصدمات الاقتصادية الحادة، لكن قد يتطلب دعماً إضافياً من الجهات الدولية مثل صندوق النقد الدولي. 3- الإبقاء على نظام الصرف الحالي: السيناريو الثالث هو الإبقاء على النظام الحالي، مع إجراءات تنظيمية لتضييق الفجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء. هذا النهج قد يكون مؤقتًا، إذ سيعتمد على قدرة الحكومة والبنك المركزي على تأمين تدفقات نقد أجنبي كافية من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر أو مصادر أخرى. التحديات الخارجية والمحلية القرار حول الفائدة وسعر الصرف يأتي في سياق تحديات محلية ودولية معقدة. داخلياً، تواجه مصر تحديات اقتصادية متزايدة بسبب ارتفاع تكلفة المعيشة، ونقص الدولار الأمريكي، وتباطؤ في بعض القطاعات الاقتصادية مثل السياحة. على الصعيد الدولي، تتعرض الأسواق الناشئة لضغوط مع ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى، وخاصة في الولايات المتحدة، مما يؤدي إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة. مواقف الجهات الدولية من المهم أيضًا النظر في دور المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي (IMF)، الذي كان له تأثير كبير على السياسات الاقتصادية في مصر منذ توقيع عدة برامج إصلاح اقتصادي. الصندوق قد يضغط باتجاه تعويم الجنيه كجزء من شروطه لتقديم حزمة دعم جديدة لمصر، خاصة وأن القرض الأخير المقدم من الصندوق يتطلب إجراءات هيكلية لضمان استقرار الاقتصاد المصري.

