شهدت منطقة ريف القنيطرة الجنوبي في سوريا، وتحديداً بالقرب من بلدة كودنة، تصعيدًا جديدًا في ظل التوترات المستمرة في المنطقة، حيث أفادت مصادر ميدانية عن توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي السورية. هذه الخطوة جاءت في وقت تعيش فيه المنطقة أجواء متوترة وسط مخاوف من أن يمتد العدوان الإسرائيلي، الذي يطال لبنان وقطاع غزة، إلى سوريا بشكل أوسع.

تفاصيل التوغل
بحسب المعلومات الميدانية، فإن القوة الإسرائيلية التي توغلت في الأراضي السورية كانت مدعومة بآليات ومصفحات مزودة برشاشات ثقيلة، حيث دخلت إلى منطقة قريبة من تل الأحمر الغربي وجرفت مساحات زراعية سورية. ووفقًا لما ذكره موقع "تجمع أحرار حوران"، فقد استهدف التجريف مساحة تقدر بطول 500 متر وعرض كيلومتر واحد. وعقب هذا التجريف، وضعت قوات الاحتلال سلكًا شائكًا لفصل هذه المساحة عن الأراضي السورية، وضمتها إلى الجانب الإسرائيلي.

ورغم هذا التطور الميداني، نفى خالد أباظة، أمين فرع حزب "البعث" الحاكم في القنيطرة، حدوث أي توغل إسرائيلي، مشيراً إلى أن هذه الأنباء عارية عن الصحة، ووصفها بأنها شائعات تستهدف إثارة الرأي العام. غير أن "تجمع أحرار حوران" أكد من خلال المتحدث باسمه، أيمن أبو نقطة، أن التوغل الإسرائيلي قد حدث بالفعل، وأن القوات الإسرائيلية انسحبت بعد إبلاغ السكان المحليين بنيتها العودة إلى المنطقة في وقت لاحق.

الهدف من التوغل
يشير مراقبون عسكريون إلى أن هذا التوغل الإسرائيلي قد يكون خطوة تمهيدية لتوسيع عمليات الاحتلال في الأراضي السورية، حيث قال أيمن أبو نقطة إن الهدف النهائي لهذا التحرك ما زال غير واضح، لكنه وصفه بالاحتلال الفعلي لأراضٍ سورية جديدة.

من جانبه، أوضح العميد عبد الله الأسعد، عميد كلية العلوم السياسية بالجامعة الأهلية، في حديثه لـ"عربي21"، أن هذه التحركات ليست الأولى من نوعها، مضيفاً أن إسرائيل تستبيح الأجواء السورية بانتظام، وتقوم بعمليات برية في بعض الأحيان. وأشار الأسعد إلى أن قوات النظام السوري لم تقم بأي تحرك لمواجهة هذا التوغل، مشيراً إلى أن هناك أوامر مباشرة من القيادة العسكرية بعدم التعرض للقوات الإسرائيلية المتوغلة.

تحييد إيران
في قراءة أخرى لأهداف التوغل الإسرائيلي، أوضح العميد الركن أحمد بري، رئيس أركان الجيش السوري الحر سابقاً، أن هذا التوغل قد يكون جزءاً من استراتيجية إسرائيلية لإبعاد القوات الإيرانية والمجموعات التابعة لها، وعلى رأسها "حزب الله" اللبناني، من المناطق الحدودية في جنوب سوريا. وأكد بري أن "الفرقة الرابعة" في الجيش السوري، التي يقودها ماهر الأسد وتُعرف بولائها لإيران، تنتشر في هذه المناطق إلى جانب قوات "حزب الله"، لكن هذه القوات لم تتدخل خلال التوغل الإسرائيلي الأخير، ما يعكس ربما وجود تفاهمات ضمنية أو أوامر مباشرة من القيادة بعدم التصعيد.

وتوقع بري أن يشهد الجنوب السوري تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً في الفترة المقبلة بهدف دفع القوات الإيرانية بعيداً عن الخط الفاصل بين سوريا والأراضي المحتلة. ولفت إلى أن وجود دبابات وآليات إسرائيلية ثقيلة على طول الخط الفاصل منذ أيام قد يكون إشارة إلى تحركات عسكرية أكبر في المستقبل القريب.

توغل سابق وعمليات مشابهة
لم يكن هذا التوغل الإسرائيلي الأول من نوعه، حيث شهدت منطقة القنيطرة عدة عمليات توغل مماثلة خلال السنوات الأخيرة. في يوليو/تموز 2023، توغلت قوات إسرائيلية بعمق عشرات الأمتار داخل الأراضي السورية، قرب بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة الشمالي. ويبدو أن هذه العمليات تأتي في إطار سياسة إسرائيلية مستمرة لتوسيع نطاق سيطرتها في المناطق الحدودية مع سوريا.

ردود الفعل الإقليمية والدولية
من المتوقع أن تثير هذه التحركات الإسرائيلية توترات إضافية في المنطقة، في ظل تصاعد المواجهات على عدة جبهات. فالاحتلال الإسرائيلي يستمر في عدوانه على غزة ولبنان، ويبدو أنه يتطلع الآن إلى الجبهة السورية. في المقابل، فإن النظام السوري يحاول الحفاظ على سياسة الحياد النسبي تجاه إيران في الجنوب السوري، رغم الضغوط الإسرائيلية لإبعاد القوات الإيرانية والمجموعات التابعة لها.

تصاعد المخاوف من التوسع الإسرائيلي
مع استمرار التصعيد الإسرائيلي على عدة جبهات، يتزايد القلق من أن يتوسع نطاق العمليات العسكرية ليشمل سوريا بشكل أوسع. وقد تُدفع المنطقة الجنوبية من سوريا إلى دائرة تصعيد عسكري جديدة، خاصة أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل تعزيز وجودها على طول الخط الفاصل في الجولان المحتل.

ختام التقرير
يشكل التوغل الإسرائيلي الأخير في ريف القنيطرة تصعيداً جديداً في سلسلة التوترات الإقليمية المتصاعدة. ومع عدم وضوح أهداف هذه التحركات بشكل كامل، تظل المخاوف قائمة من أن يؤدي هذا التصعيد إلى عمليات عسكرية أوسع قد تغير موازين القوى في المنطقة، خصوصاً في ظل تعقيدات المشهد السوري الداخلي وتداخل القوى الإقليمية والدولية.