تُظهر جزيرة الوراق، التي تقع في قلب نهر النيل، نموذجًا صارخًا للصراع المحتدم بين الحكومة المصرية وسكانها المظلومين. على الرغم من أن عدد سكان الجزيرة يصل إلى حوالي 100 ألف نسمة، إلا أن سياسات التهجير القسري التي تنتهجها الحكومة جعلت من هذا المكان رمزًا للفشل في حماية حقوق المواطنين واهتمام الدولة بالمشاريع التجارية على حساب حياتهم ومعيشتهم.
في الآونة الأخيرة، أطلقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وهي منظمة حقوقية مستقلة، حملة لجمع التوقيعات تضامنًا مع أهالي جزيرة الوراق ضد حملة التهجير القسري التي تنفذها الحكومة المصرية. وجاء في بيان الحملة بعنوان "ارفعوا الحصار"، أن الموقعين يعلنون تضامنهم مع سكان الجزيرة، ويطالبون بإنهاء الحصار الأمني المفروض عليها منذ عام 2017، والذي أسفر عن سيطرة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة على 71% من أراضي الجزيرة بالإكراه.
أشار البيان إلى أن سكان الجزيرة يعانون من اقتحامات متكررة من قوات الشرطة منذ 16 يوليو/تموز 2017 لإجبارهم على إخلاء منازلهم، مما أدى إلى مقتل أحد السكان وإصابة العشرات، بينهم من يعاني من إعاقات دائمة. كما تم اعتقال عدد من الأهالي بتهم تتعلق بالانضمام إلى جماعات إرهابية.
الحملة دعت إلى إعادة فتح حركة المعديات، التي تعد شريان الحياة لسكان الجزيرة، والسماح للأهالي بامتلاك منازلهم وأراضيهم مجددًا بعد تطوير الجزيرة. وشدد الموقعون على ضرورة رفع الحصار المفروض وتوفير العلاج للمصابين في هجمات قوات الأمن.
واستنكرت الحملة سياسات الحكومة التي تتسبب في تجريف الأراضي الزراعية في الجزيرة، ووصفتها بأنها تهديد لاستدامة البيئة والموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية. وأكدت على أن هذه السياسات تؤثر على الأمن الغذائي وتهدد حقوق الأجيال القادمة في بيئة صحية.

أزمة التهجير القسري
تواجه جزيرة الوراق منذ سنوات طويلة أزمة تهجير قسري تتجلى في محاولات الحكومة المصرية إخلاء الجزيرة لصالح مشروعها التجاري المسمى "مدينة حورس". هذه الجهود لم تُستند إلى أي اعتبارات إنسانية أو قانونية، بل تعتمد على القوة والعنف، حيث شنت قوات الشرطة عدة هجمات على الجزيرة لإجبار السكان على مغادرة منازلهم. منذ عام 2017، أُجبر السكان على مواجهة اقتحامات مستمرة، أسفرت عن مقتل أحدهم وإصابة العشرات، في حالة من الإقصاء الممنهج الذي يُخالف أبسط حقوق الإنسان.
في خطوة غير مبررة، زعمت الحكومة أن إخلاء الجزيرة ضروري لتنفيذ مشاريع تنموية تهدف إلى تحويل الوراق إلى مركز تجاري عالمي. لكن ما يتم هو تجريف للأراضي الزراعية والاستيلاء على الممتلكات الخاصة، وهو ما يُظهر بوضوح أن الهدف ليس التنمية، بل الربح على حساب الفئات الأضعف في المجتمع.
الحصار الأمني وانتهاك الحقوق
تعيش جزيرة الوراق تحت حصار أمني خانق منذ عام 2017، حيث تفرض السلطات قيودًا صارمة على حركة السكان وتمنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية. وقد أكدت منظمات حقوق الإنسان، مثل "المفوضية المصرية للحقوق والحريات"، أن هذا الحصار ينتهك حقوق الأفراد الأساسية في الحياة والسلامة الشخصية. لقد قوبل الأهالي بالقوة، وتعرضوا للاعتقالات والتهم الباطلة، مما يعكس الفشل الذريع للنظام في التعامل مع حقوق الإنسان.
تسعى الحملة الحقوقية "ارفعوا الحصار"، التي أطلقتها المفوضية، إلى توصيل صوت الأهالي الرافضين لسياسات الحكومة. إن الموقعين على العريضة يطالبون الحكومة برفع الحصار المفروض، والسماح لهم بالاحتفاظ بمنازلهم وأراضيهم. يُظهر هذا المطلب الحتمي أن الأهالي ليسوا ضد التنمية، بل يسعون إلى تحقيقها بشكل يضمن حقوقهم ويعزز من استدامة بيئتهم.
انتهاك الدستور والمواثيق الدولية
من المثير للدهشة أن السياسات الحكومية تنتهك بشكل صارخ الدستور المصري، الذي ينص على تجريم التهجير القسري. بالإضافة إلى ذلك، فإنها تتعارض مع الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر، والتي تضمن حقوق السكان في السكن الملائم والحماية من الإخلاء. يُظهر هذا التناقض أن الحكومة المصرية تفضل المصالح التجارية على القيم الإنسانية، مما يُقوض من مصداقيتها في المجتمع الدولي.
إن تمسك السكان بحقوقهم وأراضيهم يأتي في سياق تاريخي طويل من الاستغلال والظلم. فقد بدأ هذا الصراع منذ عام 1998 عندما صنفت الحكومة الجزيرة كمحمية طبيعية، تلاه اعتبارها "ذات منفعة عامة" عام 2000. هذه التحركات لم تُثر أي قلق بشأن حقوق السكان، بل زادت من التوتر بين الأهالي والحكومة.
مقاومة شعبية ورمز للصمود
ومع كل هذه المعاناة، فإن مقاومة الأهالي لم تتراجع. بل على العكس، تزايدت المظاهرات والاحتجاجات في وجه القوة الغاشمة. هؤلاء الناس، الذين يتمسكون بأرضهم، يمثلون صورة واضحة للمقاومة الشعبية ضد السياسات الجائرة. إنهم يرفضون ترك منازلهم وأراضيهم، مؤكدين أن حقهم في البقاء والعيش بكرامة لا يمكن أن يُنتزع منهم.
إن الأمل يبقى معقودًا على حراك الأهالي ودعم منظمات حقوق الإنسان. وفي ظل هذا النضال المستمر، يبقى السؤال: هل ستستجيب الحكومة لمطالب الشعب، أم ستستمر في سياسة الإقصاء والتهميش؟ جزيرة الوراق، التي لطالما كانت رمزًا للزراعة والحياة، تُظهر اليوم بوضوح مدى حاجة المجتمع المصري إلى تصحيح مسار الحكومة وإعادة النظر في سياساتها التي تفضل المصالح التجارية على حقوق الإنسان.