في الوقت الذي يروج فيه نظام الانقلاب العسكري لأرقام الاستثمارات الأجنبية كانتصارات اقتصادية، تكشف البيانات الرسمية الأخيرة عن واقع أكثر قتامة وخطورة يتعلق بمستقبل السيادة الاقتصادية المصرية على أهم ممر ملاحي في العالم. لم تعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مجرد منطقة جذب رؤوس أموال، بل تحولت فعلياً إلى "معقل" للنفوذ الصيني، حيث باتت بكين تتحكم في نصف حجم الاستثمارات المتدفقة إلى المنطقة خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية.
هذا المشهد لا يعكس "نجاحاً" في جذب الاستثمار كما يدعي مسؤولو الحكومة، بل يفضح حالة من "الاستباحة" لمقدرات الدولة الاستراتيجية، حيث يهرول النظام المأزوم مالياً لبيع أصوله ومواقعه الحيوية لمن يدفع، في محاولة يائسة لتغطية فشله الاقتصادي المتراكم، ولو كان الثمن هو رهن مستقبل المنطقة وتغيير هويتها الاقتصادية لصالح التنين الصيني.
هيمنة بالأرقام.. عندما يصبح "الشريك" هو "المالك"
الأرقام التي أعلنها وليد جمال الدين، رئيس المنطقة الاقتصادية، لا تحتاج إلى تأويل بقدر ما تحتاج إلى دق ناقوس الخطر. فمن أصل 11.6 مليار دولار دخلت المنطقة في آخر ثلاث سنوات ونصف، استحوذت الصين وحدها على 50% منها. نحن لا نتحدث هنا عن تنوع في المحافظ الاستثمارية، بل عن هيمنة شبه كاملة لطرف دولي واحد. القفزة الجنونية في استثمارات الصينيين بقيمة 2.7 مليار دولار في أول 11 شهراً من العام الحالي (2025) لتصل إلى 5.7 مليار دولار ، ليست مجرد نمو طبيعي، بل هي عملية "إحلال" ممنهجة.
ومع تأسيس 125 مشروعاً صينياً جديداً بغرض التصدير، وتمدد منطقة "تيدا" لتشمل أكثر من 200 مشروع باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار ، يبدو أن النظام قد تخلى عن حلم "توطين الصناعة الوطنية" لصالح تحويل القناة إلى "مخزن خلفي" للمصانع الصينية الهاربة من الضرائب الأمريكية والقيود التجارية الغربية.
صفقات المليارات.. بيع الأصول تحت لافتة التطوير
الاحتفاء الحكومي بصفقات مثل عقد شركة "سايلون" لتصنيع الإطارات بقيمة مليار دولار، أو مصنع "CJN" للأسمدة بمليار دولار آخر ، يغفل الجانب الأهم: من المستفيد الحقيقي؟ هذه المشروعات التي تقام على أراضٍ مصرية، وتتمتع بإعفاءات ضريبية وجمركية واسعة "تكفلها المنطقة" ، تخدم في المقام الأول الاستراتيجية الصينية لغزو الأسواق الأوروبية والأمريكية عبر "البوابة المصرية".
النظام الحالي، في سعيه المحموم لجمع الدولار، يقدم للمستثمر الصيني ما لا يقدمه للمصنع المصري المحلي الذي يئن تحت وطأة الجباية والبيروقراطية. لقد تحولت المنطقة من "قبلة للمستثمرين" كما وصفها مصطفى مدبولي، إلى "منطقة حرة" للنفوذ الأجنبي، حيث يتمتع المستثمر الصيني بنفوذ وتسهيلات تجعل منه المواطن الأول في هذه الرقعة الاستراتيجية، بينما يكتفي المصريون بدور العمالة الرخيصة أو المشاهد الصامت.
رهن السيادة.. بين "الشراكة الاستراتيجية" و"التبعية الكاملة"
تصريحات وزير الاستثمار حسن الخطيب حول "توسيع قاعدة الإنتاج المشترك" واعتبار الصين "شريكاً استراتيجياً دائماً" ، تخفي خلفها حقيقة مرة: مصر لم تعد شريكاً بل تابعاً في هذه المعادلة. عندما يكون هناك أكثر من 2800 شركة صينية تعمل في مصر باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار ، وتسيطر على مفاصل حيوية بدءاً من العاصمة الإدارية (منطقة الأعمال المركزية) وصولاً إلى شريان القناة، فإن القرار الاقتصادي المصري يصبح رهينة في يد بكين.
إن الترحيب بكون الصينيين "ثاني أكثر جنسية" تدشيناً للمشاريع بعد المصريين ليس مدعاة للفخر، بل هو اعتراف ضمني بتراجع الدور الوطني وتآكل الطبقة الاستثمارية المصرية الوطنية التي تم تجريفها وسجن رموزها أو تهجيرهم. إن حكومة الانقلاب لا تبني اقتصاداً، بل تبني "مستعمرات اقتصادية" معزولة، تضخ أرباحها في جيوب الشركات العابرة للقارات، وتترك للمصريين الديون والتبعية السياسية طويلة الأمد.

