نشر عمدة نيويورك زهران ممداني، على حسابه الرسمي بمنصة إكس، رسالة بمناسبة يوم النكبة، أرفقها بمقطع فيديو لشهادة إنيا بوشناق، وهي من سكان نيويورك ومن الناجين من النكبة، قالت فيه إنها غادرت القدس وهي طفلة بعد وصول القوات الصهيونية إلى المنطقة.
 

 

وجاء المنشور في مدينة تضم واحدة من أكبر الجاليات اليهودية خارج إسرائيل، كما تضم جالية عربية وفلسطينية نشطة، لذلك لم يبق الفيديو في حدود التذكير التاريخي، بل تحول إلى مواجهة سياسية جديدة حول حدود خطاب المسؤولين المنتخبين عند تناول القضية الفلسطينية داخل المشهد الأمريكي.

 

شهادة إنيا تعيد النكبة إلى واجهة السياسة المحلية

 

قدم ممداني شهادة إنيا باعتبارها قصة شخصية ضمن ذاكرة أوسع، وكتب أن يوم النكبة يحيي ذكرى تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني بين عامي 1947 و1949، خلال قيام دولة إسرائيل والعام الذي تلاه، في صياغة وضعت الرواية الفلسطينية في قلب الخطاب الرسمي لرئيس بلدية نيويورك.

 

وتحدثت إنيا في المقطع عن طفولتها في القدس وعن لحظة خروج عائلتها من المدينة، وقدمت شهادتها بوصفها ذاكرة منزل وعائلة وتقاليد انتقلت بين الأجيال، وهو ما منح الفيديو طابعًا إنسانيًا مباشرًا، بدل الاكتفاء ببيان سياسي قصير عن الذكرى.

 

كما اختار ممداني أن يربط شهادة واحدة بعدد كبير من القصص الفلسطينية، حين أشار إلى أن قصة إنيا تمثل واحدة من مئات الآلاف من القصص المشابهة، وبذلك نقل ذكرى النكبة من مستوى الرقم التاريخي إلى مستوى الوجوه الفردية داخل نيويورك نفسها.

 

غير أن هذا الاختيار وضعه أمام هجوم سريع من خصومه، لأن منتقدين اعتبروا أن منشوره قدم سردية فلسطينية واحدة من دون ذكر خطة التقسيم الصادرة عام 1947 أو موقف الدول العربية منها، وهي نقطة ركزت عليها وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية في تغطية الجدل.

 

غضب يهودي واتهامات بتجاهل السياق التاريخي

 

قال موقع واينت العبري، بحسب تقارير نقلت عنه، إن منشور ممداني أثار غضبًا بين قادة يهود في نيويورك، واتهمه منتقدون بتشويه التاريخ وتجاهل رفض الدول العربية لخطة التقسيم، معتبرين أن كلامه يختزل ولادة إسرائيل في صورة تهجير الفلسطينيين فقط.

 

ونقلت تقارير أمريكية عن موشيه سبيرن، رئيس اتحاد المعلمين اليهود في نيويورك، قوله إن هذا النوع من الخطاب يعرض اليهود للخطر لأنه يفتقر إلى السياق التاريخي الكامل، وهاجم ممداني بسبب استخدام الحساب الرسمي للبلدية في قضية شديدة الحساسية.

 

وتوسع الهجوم ليشمل مواقف ممداني السابقة من إسرائيل، إذ يراه خصومه السياسيون شخصية تقدمية منحازة للفلسطينيين، بينما يعتبر أنصاره أن الهجوم عليه يتجاهل حق الفلسطينيين في رواية تاريخهم داخل مدينة متعددة الجاليات مثل نيويورك.

 

ويأتي هذا الخلاف بعد أشهر من توتر علاقة ممداني بقطاعات من القيادات اليهودية في المدينة، خصوصًا بعد حملته الانتخابية ومواقفه من الحرب على غزة وحركة المقاطعة، وهي ملفات جعلت أي تعليق منه حول فلسطين محل متابعة سياسية وإعلامية فورية.

 

عمدة تقدمي أمام اختبار الذاكرة والسلطة

 

أبرزت الأزمة سؤالًا أوسع من منشور واحد، وهو هل يستطيع عمدة مدينة بحجم نيويورك أن يحيي ذكرى النكبة من موقع رسمي من دون أن يتحول الأمر إلى معركة حول الأمن اليهودي والرواية الإسرائيلية والعلاقات بين الجاليات.

 

في المقابل، يرى مؤيدو ممداني أن الاعتراف بذاكرة الفلسطينيين لا يعني تهديدًا لليهود، وأن إتاحة منصة رسمية لشهادة ناجية من النكبة يدخل ضمن مسؤولية المدينة تجاه سكانها المختلفين، خصوصًا عندما تكون الشهادة صادرة من إحدى المقيمات في نيويورك.

 

لكن خصومه يعتبرون أن العمدة لم يقدم توازنًا كافيًا في عرض الأحداث، وأن حديثه عن تهجير الفلسطينيين من دون ذكر خطة التقسيم والحرب العربية الإسرائيلية الأولى يغذي قراءة أحادية للتاريخ، ويزيد الاستقطاب داخل مدينة شديدة الحساسية تجاه قضايا الشرق الأوسط.

 

وتكشف ردود الفعل أن ممداني لم يعد مجرد سياسي تقدمي يكتب رأيًا على حساب شخصي، بل صار مسؤولًا تنفيذيًا عن مدينة كبرى، ولهذا تكتسب منشوراته الرسمية وزنًا مختلفًا، لأنها تتحول إلى رسائل سياسية تمثل مؤسسة البلدية أمام السكان والجاليات والإعلام.

 

في النهاية، فتح منشور يوم النكبة مواجهة جديدة حول موقع القضية الفلسطينية في السياسة الأمريكية المحلية، وأظهر أن ذاكرة 1948 لم تعد محصورة في الشرق الأوسط، بل أصبحت جزءًا من صراع الخطاب داخل نيويورك، حيث تتقاطع شهادات الناجين مع مخاوف الجاليات وحسابات السلطة المنتخبة.