محمد جمال عرفة
كاتب صحافي مصري
في سياق البحث عن بدائل لمضيق هرمز بعدما كشفت حرب إيران صعوبة الاعتماد عليه وحده رغم أنه ينقل خمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز، تسعى دول الخليج والعراق إلى تأمين إمبراطورياتها النفطية بعيدًا عن المضيق ببدائل محتملة. وعلى حين تُطرح أفكار مختلفة لنقل الغاز والنفط عبر أنابيب أو طرق برية تمر عبر دول عربية مثل سورية والأردن ومصر، تحاول دولة الاحتلال إحياء ما يسمى مشروع "الممر الهندي الأوروبي" IMEC، الذي يربط جنوب آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وتحويل إسرائيل إلى جسر بري بين الشرق وأوروبا والغرب، بحيث تُقام سكة حديد لقطار ينقل البضائع من الهند، عبر دول الشرق الأوسط إلى إسرائيل، ومن هناك تنقل البضاعة عبر موانئ البحر إلى أوروبا، وبمحاذاة سكة الحديد تنشر بنى تحتية للاتصالات والطاقة كالألياف البصرية وأنابيب الوقود والغاز، بما يؤثر ضمنًا على قناة السويس ويوفر لأوروبا والخليج ممرًا بديلًا لمضيق هرمز.
والمفارقة أن الاحتلال يحلم بإنشاء هذا الممر البري، بقطار إسرائيلي وخطوط مواصلات مع دول الخليج خاصة السعودية والإمارات، غافلًا أن حرب إيران قلبت التوازنات وغيرت مفاهيم دول الخليج عن التطبيع وجعلت صلاحية محور الديانة الإبراهيمية (اتفاقيات أبراهام) منتهية الصلاحية. ولطالما بنت الولايات المتحدة استراتيجيتها الإقليمية على أساس الادعاء بأن الأمن الإسرائيلي والخليجي متكاملان، وأن التطبيع المدعوم من الولايات المتحدة يُحقق الاستقرار، لكن الحرب على إيران كشفت أن تطلعات إسرائيل للهيمنة الإقليمية تعرض الخليج للخطر، وكشفت الفجوة بين رؤية نتنياهو لشرق أوسط صهيوني يتعارض مع رؤية الدول العربية التي تبتعد عن طموحات إسرائيل وإيران معًا.
وأن المشروع الذي رُوّجَ باعتباره مدخلًا لــ "السلام الإقليمي" والتكامل الاقتصادي والأمني، يواجه اليوم، بعد الحرب على إيران، تحديات جعلت دول الخليج تتجه لرفض أي تعاون مع إسرائيل، وعلى العكس تتكاتف مع دول أخرى مثل مصر وسورية بحثًا عن بدائل أفضل لمضيق هرمز أو محاور احتياطية حال الأزمات. هذا بخلاف مشاريع جزئية قامت بها السعودية بوصفها بدائل لمضيق هرمز، مثل إنشاء خط أنابيب شرق-غرب عبر شبه الجزيرة العربية الشاسعة وصولًا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وإنشاء الإمارات خط أنابيب حبشان-الفجيرة، من أبو ظبي إلى خليج عُمان. وذكر خبراء ومسؤولون في مجال الطاقة لصحيفة فاينانشال تايمز أن السعودية والإمارات ودولًا أخرى تدرس إنشاء خطوط أنابيب نفط جديدة موازية للخطوط القائمة، فضلًا عن توسيع محطات التصدير على امتداد سواحل بديلة، لكن إنشاء خطوط أنابيب جديدة مكلف ويستغرق وقتًا طويلًا ويواجه صعوبات تعقيد الوضع السياسي والمسافات البعيدة.
القطار الإسرائيلي
رغم الصعوبات الاقتصادية والسياسية معًا، بدأت الصحف العبرية تروّج قربَ قيام إسرائيل بتنفيذ الشق الخاص بها من مشروع "الممر الهندي الأوروبي" IMEC، الذي يربط جنوب آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، بديلًا لمضيق هرمز رغم أضراره الاقتصادية على قناة السويس وعلاقته بصعوبة تهجير أهالي غزة، ويقصد به فكرة القطار الإسرائيلي الواصل بين حلقتي الشرق والغرب. وتقول صحيفة "هآرتس" الإسرائيلي، 4 مايو الجاري، إن جميع الوزارات في إسرائيل بدأت المضي بالقسم الإسرائيلي الخاصة بمبادرة مشروع "الممر الهندي الأوروبي"، أي إقامة سكة حديد لقطار ينقل البضائع من الهند، عبر دول الشرق الأوسط إلى إسرائيل ومن هناك تنقل البضاعة عبر موانئ البحر إلى أوروبا.
وتحدثت وزارة مالية الاحتلال عن إمكانية اقتصادية كامنة جمة لتنفيذ المحور الهندي الإسرائيلي الأوروبي، بعد أن أغلقت المضائق البحرية في مضيق هرمز، وفي باب المندب، بل في قناة السويس عدة مرات، وأنه سيوفر لتل أبيب مليار شيكل في السنة (قرابة 345 مليون دولار) من رسوم عبور وتشغيل، وأنه بدأ وضع إطار زمني للتنفيذ مع الدول المشاركة: الولايات المتحدة، والهند، ودول الشرق الأوسط، وأوروبا. وتتضمن الخطط الإسرائيلية شق 12 كيلومترًا من سكة القطار من بيسان إلى معبر نهر الأردن (الشيخ حسين) لاستكمال ربط السكة بالجانب الإسرائيلي من الشرق الأوسط، وتوسيع قدرة المعبر الحدودي معبر نهر الأردن من 50 ألف شاحنة في السنة إلى 210 آلاف، وإقامة موانئ برية ومناطق تخزين ولوجستيات على مقربة من الحدود.
وتعود فكرة "القطار الإسرائيلي" ضمن مشروع IMEC، إلى تصور جيوسياسي وتجاري أوسع يهدف إلى تحويل إسرائيل إلى حلقة وصل بين الخليج وأوروبا، عبر شبكة سكك حديد وموانئ تربط الهند بالبحر المتوسط بوصفها بديلًا جزئيًا أو موازيًا للممرات التقليدية مثل مضيق هرمز وقناة السويس.
الفكرة بدأت بطرح إسرائيل منذ عام 2000 مشاريع لربط ميناء حيفا المحتل بدول الخليج عبر الأردن والسعودية، فيما عُرف "سكة السلام الإقليمية"، أو "مسار التطبيع الاقتصادي"، لكن الفكرة بقيت مجمدة بسبب غياب التطبيع مع الخليج، والقضية الفلسطينية، والتوترات الإقليمية.
جسر تجاري بين الخليج وأوروبا
وحين تم توقيع اتفاقيات إبراهيم بين تل أبيب وأبوظبي أعادت إسرائيل إحياء المشروع وبدأت تتحدث علنًا عن تحويل نفسها إلى "جسر تجاري" بين الخليج وأوروبا، يضمن لها التحكم في سوق النفط والتجارة وفرض التطبيع على الجميع. وفي 2021-2022 طُرحت مشاريع إسرائيلية عملية لربط موانئ الإمارات، بشبكات السكك السعودية والأردنية، ثم بميناء حيفا الإسرائيلي على المتوسط، وجاءت الخطوة العملية الأهم في هذا المشروع يوم 9 سبتمبر 2023، خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، حين أُعلن رسميًّا مشروع IMEC بدعم من الولايات المتحدة، والهند، والاتحاد الأوروبي، والسعودية، والإمارات، وإسرائيل (بشكل غير مباشر ضمن المسار اللوجستي).
ويهدف المشروع إلى إعادة تشكيل التجارة العالمية من خلال استثمارات واسعة النطاق في الموانئ والسكك الحديدية والكابلات البحرية، وجعل التجارة أرخص وأسرع وأكبر بكثير من خلال شبكة من الممرات الحديدية والبحرية والبنية التحتية، ما قد سيؤثر على قناة السويس المصرية وينافسها، وفق تقارير غربية. وقُسّمَ المشروع على مراحل تبدأ بترتيبات الشحن البحري من الهند إلى الإمارات، ثم قطارات وسكك حديد عبر الخليج، وصولًا إلى الأردن، ثم إلى ميناء حيفا (عبر القطار) ومنه بحرًا إلى أوروبا، وتمت بالفعل عدة مشاريع منه، ولكن تأخر ما يُسمى "القطار الإسرائيلي"، وهو الجزء الأكثر حساسية في المشروع، أي تحويل إسرائيل إلى بوابة العبور الرئيسية بين الخليج وأوروبا. وكان من المتوقع أن يجعل خط السكك الحديدية التجارة بين الهند وأوروبا أسرع بنسبة 40% بحسب ما قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
وكانت الترتيبات تقوم على توسيع ميناء حيفا، وإنشاء ربط بخط سكك حديد إقليمي، وإدماج إسرائيل في البنية الاقتصادية العربية، بما يمنح تل أبيب نفوذًا اقتصاديًّا ضخمًا، ودورًا استراتيجيًّا في التجارة العالمية، وتقليل عزلتها الجغرافية والسياسية، لذا تم التركيز على أهمية التطبيع السعودي الإسرائيلي، الذي انهار عقب طوفان الأقصى ثم سلسلة الاعتداءات الإسرائيلية وحروب الإبادة على غزة ولبنان ثم الحرب المشتركة مع أميركا ضد إيران. لكن إغلاق إيران لمضيق هرمز والتحكم فيه وطرح أفكار حول تحويله إلى بوابة إيرانية برسوم وتكدس السفن (2000 سفينة على الأقل) جعل إسرائيل تحاول الاستفادة مجددًا من المشروع القديم وإعادة طرحه بحجة تقليل الاعتماد على الممرات المعرضة للتوتر مثل هرمز والبحر الأحمر، ومنافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية. ولهذا دعمت واشنطن المشروع باعتباره ممرًّا تجاريًّا آمنًا، لكن حتى الآن، لا يوجد "قطار إسرائيلي عابر للخليج مكتمل فعليًّا، رغم وجود خطوط سكك حديد يجري تطويرها في الخليج، وموانئ إسرائيلية وخليجية توسعت بالفعل، بينما لا يزال مشروع الربط الكامل في مرحلة التخطيط والتفاهمات السياسية.
لا غنى عن قناة السويس
لكن حرب إيران غيرت النظرة الخليجية للمشروع كله بحسب ما تؤكد تقارير غربية وأصبح تمرير مشروع يمر عبر إسرائيل أكثر حساسية سياسيًّا، وبدأت تظهر مقترحات بديلة، مثل الالتفاف عبر العراق وتركيا، أو بقاء الاعتماد على قناة السويس وتأمين مضيق باب المندب. فقد كان من ضمن أهداف مشروع الممر الهندي الأوروبي عبر ثلاثة دول عربية وإسرائيل، أن يكون منافسًا أو بديلًا لقناة السويس، لأن هدفه توفير الوقت وأسعار الشحنة والأمن للسلع، وفق صحيفة "ديلي إكسبريس" البريطانية. وتسهل قناة السويس حاليًا مرور نحو 12% من التجارة العالمية، كما تنقل القناة ما بين 7 إلى 10% من النفط العالمي، و8% من الغاز الطبيعي المُسال. وللقناة نقطة تميُّز أخرى تختلف عن فكرة "القطار الإسرائيلي"، هي أن حمولة السفينة التي تمر من القناة تصل إلى 15 ألف حاوية، فيما أقصى قدرة شحن للقطار نحو 150 حاوية فقط، حتى ولو كان الهدف تقليص وقت نقل البضائع بين الهند وأوروبا، إلى 6 و8 أيام، مقارنة بقناة السويس، وفقًا لتقديرات غربية.
وتؤكد دراسة لمركز "تشتام هاوس"، أنه رغم أن التقديرات تشير إلي أن البضائع قد تصل إلى أوروبا من مومباي باستخدام الطريق الجديد والقطار الإسرائيلي أسرع بنسبة 40% من طريق قناة السويس، وبتكلفة مخفضة بنسبة 30%، لا يتناسب جدوى المشروع مع الضجيج السياسي المحيط به، ويبدو الأمر مبالغًا فيه، نظرًا إلى تكاليف التحميل والتفريغ، والوقت المستغرق في كل ميناء ومحطة سكك حديدية على طول الطريق، وتحديث أخرى مثل السكك الحديدية الأردنية كما أن التمويل يشكل قضية شائكة.

