في مشهد ينتمي إلى عالم "الكوميديا السوداء"، خرج الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس وزراء الانقلاب، ليوجه بوضع خطة متكاملة لتشجير المحاور والطرق الرئيسية بالقاهرة الكبرى، متحدثاً بدم بارد عن "الأثر الجمالي والحضاري والبيئي" للأشجار. يأتي هذا التوجيه وكأنه صادر عن مسؤول استلم مهامه للتو، وليس عن الرجل الذي أمسك بمعول الهدم بيده طوال عقد كامل، مهندساً لأكبر "مذبحة بيئية" في تاريخ مصر الحديث، ومحولاً حدائق المحروسة التاريخية إلى كتل من الخرسانة والأسفلت اللاهب.

 

إن هذا التوجيه الحكومي لا يعدو كونه محاولة بائسة لذر الرماد في العيون، ومسرحية هزلية تحاول غسل سمعة نظام أدمن قطع الشجر لزرع الكباري، متجاهلاً أن ذاكرة المصريين – ورئتهم – لن تنسى من سرق منها الهواء النقي والظل الظليل.

 

مدبولي.. "مهندس الخراب" من الوزارة إلى الرئاسة

 

لا يمكن فصل الكارثة البيئية الحالية عن المسار الوظيفي لمصطفى مدبولي. فالرجل لم يكن شاهداً صامتاً على الجريمة، بل كان شريكاً فاعلاً ومخططاً رئيسياً فيها. فمنذ توليه حقيبة الإسكان والمرافق في فبراير 2014، وحتى صعوده لرئاسة الوزراء في يونيو 2018 واستمراره حتى اليوم، كانت السياسة الثابتة هي "الأسمنت أولاً".

 

تحت إشرافه المباشر، تحولت التنمية العمرانية إلى "تنمية سرطانية" تلتهم الأخضر واليابس. السياسات التي وضعها ونفذها لم ترَ في الأشجار سوى عائق أمام "البلدوزرات"، ولم ترَ في الحدائق سوى أراضٍ فضاء تصلح لبناء أكشاك ومحلات تجارية تدر عائداً مالياً سريعاً للنظام، على حساب صحة المواطنين وجودة حياتهم. إنه المسؤول الأول سياسياً وتنفيذياً عن تحويل القاهرة من مدينة المآذن والحدائق إلى سجن خرساني مفتوح.

 

أرقام الفجيعة.. كيف تبخرت رئة العاصمة؟

 

تكشف لغة الأرقام زيف التصريحات الحكومية الحالية. فبحسب بيانات "مركز حلول للسياسات البديلة" بالجامعة الأمريكية، شهدت الفترة الذهبية لسطوة مدبولي (2017 – 2020) تراجعاً مرعباً في المساحات الخضراء بالعاصمة وحدها، حيث فُقد نحو 910 آلاف متر مربع، لتهبط المساحة من 7.8 مليون متر مربع إلى 6.9 مليون متر مربع.

 

هذا الفقدان لم يكن نتاج كوارث طبيعية، بل كان نتاج "بلطجة تخطيطية" قادها مجلس الوزراء، حيث تم تجريف الجزر الوسطى المشجرة، واقتطاع أجزاء من الحدائق التراثية، وإزالة صفوف أشجار عمرها عشرات السنين، بدعوى توسعة الطرق لخدمة السيارات، في تكريس لسياسة تفضيل الآلة على الإنسان.

 

مصر العارية.. انقراض الحدائق والمنتزهات

 

لم تقتصر المجزرة على العاصمة، بل امتدت لتشمل عموم مصر. توثق "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" انهياراً كارثياً في عدد الحدائق والمنتزهات العامة، التي انخفضت من 2600 حديقة في عام 2014 (بداية عهد مدبولي الوزاري) إلى 1358 حديقة فقط في عام 2022.

 

هذا يعني أن النظام نجح في محو نصف المتنفسات الطبيعية للمصريين تقريباً في أقل من عقد. لقد تم خصخصة المجال العام، وتحويل الحدائق المجانية إلى مشاريع استثمارية "كافيهات ومطاعم"، ليُحرم الفقراء من حقهم في الجلوس تحت ظل شجرة دون دفع رسوم باهظة.

 

17 سنتيمتراً.. نصيب المواطن من "الجمهورية الجديدة"

 

في فضيحة عالمية، وصل متوسط نصيب الفرد من المساحات الخضراء في المحافظات المصرية إلى 17 سنتيمتراً فقط، وهو رقم مخزٍ إذا ما قورن بتوصيات منظمة الصحة العالمية التي تحدد 9 أمتار مربعة كحد أدنى للفرد لضمان صحة نفسية وجسدية سليمة.

 

لقد أوصلتنا سياسات حكومة مدبولي إلى أن يكون نصيب الفرد في مصر شجرة واحدة فقط، وهي النسبة الأقل بين دول شمال أفريقيا كافة. هذا الانحدار ليس مجرد فشل إداري، بل هو جريمة صحية مكتملة الأركان، تعرض ملايين المصريين لمخاطر الاحتباس الحراري، وتزيد من معدلات التلوث والأمراض الصدرية، بينما يجلس المسؤولون في مكاتبهم المكيفة يتحدثون عن "الأثر الجمالي".

 

جريمة مناخية في عصر "مؤتمرات المناخ"

 

المفارقة الأكثر فجاجة هي أن هذا التجريف الممنهج حدث بالتزامن مع استضافة مصر لمؤتمرات المناخ والحديث عن "الاقتصاد الأخضر". فقدت مصر بين 2013 و2023، بحسب "مرصد الغابات العالمي"، أكثر من 5 ملايين متر مربع من الغطاء الشجري، ما يعادل انبعاث 121 كيلو طن من ثاني أكسيد الكربون.

 

ساهمت التنمية العمرانية العشوائية التي يفاخر بها مدبولي في إزالة مليون و660 ألف متر مربع من هذا الغطاء (33% من إجمالي المفقود). إنها سياسة "التصحير العمراني" التي تستبدل الأكسجين بالعوادم، والظلال بالحرارة الحارقة.

 

خاتمة: محاولة يائسة لتجميل القبح

 

إن توجيه مدبولي اليوم بالتشجير هو اعتراف ضمني بالجريمة، لكنه اعتراف يأتي متأخراً جداً. إن غرس بضع شتلات هزيلة على جانبي الطرق لن يعوض الأشجار العتيقة التي تم ذبحها، ولن يستر قبح الخرسانة التي التهمت المدينة.

 

مصطفى مدبولي وحكومته سيظلون في ذاكرة التاريخ كمن جففوا منابع الحياة الخضراء في مصر، وأي حديث الآن عن "الوجه الحضاري" ليس سوى نفاق سياسي مفضوح، يحاول تجميل وجه نظام قبيح لا يقيم وزناً لبيئة أو بشر.