لم يكن دوي الانفجار الذي هز أركان منطقة "نزلة الأشطر" بالجيزة مجرد حادث صناعي عابر، بل كان إعلان حرب جديد تشنه منظومة الفساد والرشوة المحمية من "حكومة الانقلاب" ضد فقراء هذا الوطن.

 

فبينما تنشغل أجهزة الدولة الأمنية بمطاردة المدونين ومراقبة "اللايكات" على فيسبوك، تحولت المناطق السكنية في مصر إلى "حقول ألغام" ومخازن للبارود، تنفجر تباعاً في وجوه المواطنين العزل، لتكشف عن وجه قبيح لنظام لا يرى في دماء المصريين سوى "أضرار جانبية" لفساد محلياته وعجز أجهزته الرقابية.

 

الجريمة الكاملة: بارود في غرف النوم

 

تحقيقات نيابة أمن الدولة في القضية رقم 2889 لسنة 2025، جاءت لتضع "الدولة" في قفص الاتهام قبل الجناة. كيف لمصنع كامل لتصنيع المتفجرات (الألعاب النارية) أن يعمل وينتج ويوزع داخل كتلة سكنية، مستخدماً مواد شديدة الخطورة مثل "كلورات البوتاسيوم" و"نترات الصوديوم"، دون أن يلحظه "مخبر" واحد؟.

 

الإجابة تكمن في تفاصيل التحريات نفسها: المتهمون أداروا "وكر الموت" بأريحية تامة، جندوا "قاصرات" من ضحايا الفقر للعمل في خلط البارود بـ"الخلاطات المنزلية"، في مشهد عبثي لا يحدث إلا في دولة غاب عنها القانون وحضرت فيها "الإتاوة". إن تفحم جثة العاملة القاصر وانهيار العقار هو نتيجة حتمية لترك الحبل على الغارب لمافيا الورش غير المرخصة التي تعمل تحت عباءة فساد الأحياء والمحليات.

 

أرشيف "المحارق".. مسلسل الموت لا يتوقف (حوادث مماثلة)

 

لتقوية الذاكرة المثقوبة لهذا النظام، يجب التذكير بأن "محرقة الجيزة" ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في ظل هذه السياسات، فسجل العامين الحالي والماضي يقطر دماً من حوادث مماثلة تؤكد أننا أمام "ظاهرة" يرعاها الإهمال الحكومي:

 

محارق العبور (2024-2025): لم تجف دماء ضحايا مصنع الملابس والمواد الكيميائية في مدينة العبور، حيث التهمت النيران عشرات العمال المحاصرين خلف قضبان الحديد، في سيناريو مكرر لغياب اشتراطات الأمن الصناعي.

 

ورش قليوب (2025): قبل أشهر قليلة، شهدت منطقة قليوب حوادث مشابهة لورش تصنيع مفرقعات صغيرة، راح ضحيتها أطفال وشباب في مقتبل العمر، وتم إغلاق الملف بـ"محاضر إدارية" دون محاسبة المسؤولين عن السماح بوجود هذه الورش.

 

مخازن الوراق والمرج: تكررت مآسي انفجار مخازن "تخزين الكيماويات" و"الألعاب النارية" وسط الكتل السكنية المزدحمة في الوراق والمرج، حيث يكتفي المسؤولون بعد كل كارثة بـ"حملات تصويرية" لغلق وتشميع بعض المحلات، ثم تعود "ريمة لعادتها القديمة" بمجرد رحيل الكاميرات.

 

هذا التسلسل الزمني للكوارث يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن "حكومة الانقلاب" لا تتعلم من الدروس، بل تعيد إنتاج الفشل، تاركة "قنابل موقوتة" في كل حارة وشارع.

 

"الأمن الوطني".. أسد على الشعب ونعامة أمام الكوارث

 

المثير للسخرية والمرارة معاً، هو دخول "قطاع الأمن الوطني" على خط التحقيقات. هذا الجهاز الذي يمتلك أحدث تقنيات التجسس على المواطنين، فشل استخباراتياً في رصد دخول شحنات ضخمة من "المواد المفرقعة" وتخزينها وتصنيعها. هذا الفشل يؤكد العقيدة الأمنية للنظام: "الأمن هو أمن الكرسي، لا أمن المواطن". فلو كان هذا المصنع مطبعة لمنشورات سياسية لتم اقتحامه في ساعات، أما وهو مصنع بارود يهدد حياة الغلابة، فقد تُرك يعمل حتى انفجر.

 

اقتصاد "الندرة" يصنع الموت

 

لا يمكن تبرئة السياسات الاقتصادية للنظام من دماء الضحايا. إن خنق القطاع الصناعي الرسمي، وفرض الجبايات والضرائب الباهظة، وإغلاق آلاف المصانع، هو ما دفع صغار المستثمرين والعمال إلى اللجوء لـ"الاقتصاد الأسود" ومصاع "بير السلم". الحكومة هي التي صنعت هذا المستنقع، وهي التي دفعت بتلك الفتاة القاصر للعمل في "التهلكة" بحثاً عن جنيهات لم تعد تشتري رغيف خبز في ظل غلاء فاحش طحن الطبقات الفقيرة.

 

ختاماً، إن أشلاء ضحايا "نزلة الأشطر" ستظل تطارد هذا النظام، شاهدة على مرحلة من أحلك مراحل تاريخ مصر، حيث باتت أرواح المصريين أرخص سلعة في سوق "الجمهورية الجديدة". لن تغسل "البيانات الأمنية" عار هذه الجريمة، ولن يعيد "ترميم العقار" الحياة لمن ماتوا. الحل ليس في "تشميع" مصنع، بل في "كنس" منظومة الفساد التي حولت مصر إلى "ورشة كبيرة" للموت المجاني.