يشير الواقع التاريخي والتشريعي للأمة إلى أن "فقه المشاركة" لم يحظَ بالاهتمام والتنظير والبسط الذي ناله "فقه المجتمع" أو فقه الأفراد. فالتراث الفقهي الإسلامي يقدم شاهداً حياً على أن الاهتمام بالأول كان ضافياً وواسعاً، بينما ظل الثاني ضامراً، مما أدى إلى ضعف البعد التنظيمي للمشاركة في هموم المجتمع وتحمل مسؤولياته. 

 

ويرى الشيخ أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء في المغرب في كتابه الإسلام وهموم الناس، أنه قد تُركت هذه الممارسة الحيوية لأريحية الأفراد ووازعهم الشخصي، دون أن يضبطها إطار من التنظيم والتقنين يكفل لها الفاعلية والديمومة. ويرجع هذا القصور التاريخي إلى جملة من الأسباب المتداخلة التي شكلت العقلية الفقهية والاجتماعية.

 

أولاً: بساطة التركيبة الاجتماعية الأولى

 

يكمن السبب الأول في طبيعة المجتمع المسلم الأول، الذي اتسم بالبساطة في تركيبته. فقد كان الناس قبل الإسلام ينتظمون تلقائياً في أسرهم وعشائرهم وقبائلهم، وهي مؤسسات اجتماعية راسخة تقوم على أعراف قديمة ومستقرة. هذه الأعراف كانت تُتشرب مع "حليب الأمهات" وتتنفس مع الهواء، فينشأ الفرد وقد تعلمها بالتوازي مع المشي والكلام، وينضبط لها انضباطاً طبيعياً يشبه الانضباط لقوانين الجاذبية والنمو. بل إن من شذ وانفلت من هذا النظام الصارم كان يُعرف بـ "الصعاليك"، ولا تزال أسماء أعيانهم معروفة في ذاكرة الأمة.

 

ونتيجة لهذا الاستقرار العرفي، كان الضبط المباشر الذي جاء به التشريع الإسلامي لهذه المؤسسات كافياً في حينه. ولهذا السبب، لم يتم التقاط أو تفعيل الإشارات الكثيرة الموجودة في الكتاب والسنة التي تؤصل لبلورة المجتمع والدولة بشكل مؤسسي (مثل الشورى، الأمر بالمعروف، التكافل، والانتصار على البغي). فهذه التوجيهات كانت بحاجة إلى هيئات وقوانين لتنزيلها على واقع الناس وتنميتها، وهو ما لم يُفعل منه شيء ذو بال نظراً للاكتفاء بالنظم القبلية السائدة.

 

ثانياً: الاعتماد المفرط على الوازع العقدي

 

يتمثل السبب الثاني في الركون الكامل إلى البعد العقدي في النفوس، مما زهد المسلمين في ضبط المؤسسات وبلورة فقه خاص يستنبط الأحكام المؤطرة لها. لقد احتلت "الثقة" في الوازع الديني مساحة أكبر مما ينبغي على حساب "النظام". وحين ضعف هذا الوازع العقدي مع مرور الزمن وكثرت الكوارث، طفت الأزمة على السطح بحدة، ووجد المسلمون أنفسهم في العصر الحديث مضطرين لقبلول قوانين وتنظيمات دخيلة لسد الفراغ الهائل الذي تركه قعودهم عن الاجتهاد لبلورة فقه خاص بالمجتمع ومؤسساته، مصداقاً لقول الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا.

 

ثالثاً: الانحراف عن مسار "الرشد" السياسي

 

شهد عهد الخلافة الراشدة محاولات جادة لتطوير مؤسسات المجتمع وفقهها. فكتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري في القضاء يُعد وثيقة شاهدة على ذلك، بما تضمنه من توجيه للفهم والاستشارة وتأصيل للمؤسسة القضائية كمؤسسة مجتمعية مستقلة عن الدولة، تستقي أحكامها من المرجعية العليا (القرآن والسنة) واجتهاد القضاة. كما شهد عهد عمر اقتباس نظام الدواوين وضبط مؤسسة الجند، حيث سن قوانين تنظيمية (مثل تحديد مدة غياب الجندي بـ 4 أشهر بناءً على استشارة ابنته حفصة).

 

إلا أن انحرافاً كبيراً طرأ بعد تقلص "ظل الرشد" عن الدولة الإسلامية. فقد طغى على اهتمام المسؤولين الاشتغال بالدولة وتثبيت أركانها على حساب المجتمع وقضاياه. انشغل الحكام بإخماد الثورات، وبناء القصور والهيبة، وجمع الخراج، والغرق في مشاريع وهمية أو صراعات داخلية (مثل محنة خلق القرآن في عهد المأمون، ومؤامرات البرامكة والبويهيين والسلاجقة، وقيام الدولة الفاطمية). وتكرر المشهد في المغرب والأندلس عبر صراعات ملوك الطوائف والدول المتعاقبة.

 

باختصار، لم يعد هم المسؤولين الاشتغال بالمجتمع، بل "الاشتغال بالذات" والدولة، وأُسلم المجتمع لنفسه. غاب التخطيط والإحصاء والرقابة ووضع السياسات الاقتصادية التي كانت حاضرة حين كان الرشد معانقاً للدولة.

 

رابعاً: تضخم "فقه الأفراد" ونشوء "فقهاء السلطان"

 

كنتيجة حتمية لما سبق، انصبت جهود الفقهاء بعد العهد الراشد على تطوير "فقه الأفراد" وتفصيله بدقة، لأن الدولة انتهجت نهجاً تسلطياً غير شوري حيد عموم المسلمين عن تحمل مسؤولياتهم في النصح والتسيير. برز تبعاً لذلك أنموذج مشوه لـ "المواطن الصالح" يختلف جذرياً عن الأنموذج القرآني؛ فصار أصلح الناس هو أبعدهم عن تحمل المسؤولية وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكثرهم انكماشاً على "خويصة نفسه". وهذا تجانف صارخ عن قيم الإسلام التي جعلت خيرية الأمة مرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

وبعد قمع المعارضين والمصلحين (كالحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير)، استسلم الأمراء لأهوائهم وسكرة السلطان، ونشأت ظاهرة "فقهاء البلاط" الذين يفتون تحت ضغط السلطة وإغراء المال. في المقابل، فر علماء السلف الصالح بدينهم وعلمهم، كالإمام مالك الذي رفض إتيان السلطان، وسفيان الثوري الذي هرب لمجاورة الكعبة ورفض القضاء، بل قاطع من تولاه.

 

نحو استدراك ما فات

 

هكذا نشأ فقه المجتمع ومؤسساته بعيداً عن الواقع المجتمعي، وانطلق من "فهم الدولة" والرأي الواحد، ولم يصقل بالمناظرات والتدافع كما حدث لفقه الأفراد والعبادات. وقد أدى ذلك إلى فقر هذا الفقه وضموره وقلة مصداقيته.

 

إن استدراك هذا الخلل التاريخي وتجاوزه لا يمكن أن يتم -بحسب هذا الطرح- خارج المعترك السياسي، أو بعيداً عن تحمل الأمانات والمسؤوليات الحقيقية للأمة. يتطلب الأمر انخراط مؤمنين بصلاحية الشريعة ووجوب تأطير حياة الناس بها، لأن الاجتهادات النظرية العلوية ستبقى معزولة عن الواقع ما لم تنزل إلى الأرض، وتنظر في تجارب الآخرين وتستفيد منها، لتقديم حلول للإشكالات الحقيقية في المجتمعات المشخصة.