تثير مسألة «أدب الدعوة والحوار» إشكالًا متجددًا داخل الواقع الإسلامي المعاصر؛ فمع اتساع دوائر الخلاف الفكري والمذهبي، وصعود نبرة الاتهام والتبديع والتخوين، يعود السؤال: كيف يضبط المسلم لسانه وأسلوبه وهو يدعو إلى ما يراه حقًا؟ الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، يقدّم قراءة عميقة لثلاثة أبعاد مركزية في أدب الدعوة: حق القرابة والرحم، وحق السن، وحق «السابقة» في الطاعة والجهاد، مستندًا إلى نصوص القرآن والسنة، ومصححًا فهمًا مغلوطًا للمساواة والغيرة على الدين حين تتحول إلى خشونة وغلظة تفقد الدعوة روحها ومقصدها.

 

حق الوالدين والقرابة.. الدعوة لا تُسقط البرّ ولا تلغي المعروف

 

ينطلق القرضاوي من قاعدة حاسمة: الدخول في مجال الدعوة لا يلغي الحقوق الأصيلة للناس، وفي مقدمتها حقوق الوالدين والرحم. فلا يجوز أن يتحول اختلاف الابن مع أبويه في مسائل معصية أو بدعة إلى مبرر لخشونة القول أو قطيعة السلوك، وكأن مجرد الانحراف أو المعصية ينسف ما للوالدين من حرمة وبر.

 

يستشهد النص بالآية المحكمة: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]

 

فالقرآن هنا يتحدث عن أقصى صورة من صور الانحراف: والدان لا يكتفيان بالكفر، بل يجاهدان لجرّ الابن إلى الشرك، ومع ذلك ينهى الله عن طاعتهما في هذا الباب، لكنه لا يسقط حقهما في «المعية بالمعروف»، أي الصحبة الكريمة والأدب الحسن والقيام بواجب البر. فإذا كان هذا في حال الشرك والمجاهدة عليه، فكيف إذا كان الأبوان مسلمان مع بعض المعاصي أو الأخطاء؟ هنا تتأكد مضاعفة حقهما: حق الإسلام وحق الوالدية.

 

ويُذكِّر العلامة كذلك بحوار نبي الله إبراهيم عليه السلام مع أبيه كما عرضه القرآن في سورة مريم؛ حيث جمع الخطاب بين اللطف والشفقة والوضوح في الإنكار، فخاطبه بـ«يا أبتِ» في أكثر من موضع، مع أنه كان غارقًا في الشرك وصناعة الأصنام. هذه الصورة تجعل من الوقار والحنان لغة لازمة في خطاب الأب، مهما بلغ الخلاف العقدي والفكري، وتفضح ممارسات بعض الشباب الذين يواجهون آباءهم اليوم بعبارات قاسية تحت لافتة «النصيحة» أو «الأمر بالمعروف».

 

الرسالة هنا واضحة: الدعوة إلى الله لا تُسقط حق القرابة، ولا تبرّر أن يتحول الابن إلى «خصم» لوالديه، أو الأخ إلى غليظ على إخوانه وأخواته بحجة أنهم مقصرون أو مبتدعون. بل إن نجاح الدعوة داخل الأسرة يبدأ من إعادة الاعتبار لأدب الخطاب، ولين الكلمة، وحفظ المقامات.

 

احترام الكبار.. المساواة في الكرامة لا تلغي فروق السن والمقام

 

المحور الثاني يتناول ما يسميه الكاتب «حق السن»، فيصحّح فهمًا شائعًا لمبدأ المساواة في الإسلام؛ فالمساواة المقصودة شرعًا هي المساواة في الكرامة الإنسانية والحقوق العامة أمام الله وأمام القانون، لكنها لا تعني إلغاء الفروق الطبيعية بين صغير وكبير، أو عالم وجاهل، أو صاحب سابقة ومن جاء بعده.

 

في هذا الإطار، يذكّر النص بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «ليس منّا من لم يَرحم صغيرَنا، ويُوقِّر كبيرَنا، ويعرف لعالمِنا حقَّه».

 

فالنبي يربط الانتماء إلى «نحن» – أي جماعة المؤمنين المهتدين بهديه – بثلاثة معايير سلوكية: رحمة الصغير، توقير الكبير، ومعرفة حق العالم. وهي صيغة توبيخية شديدة «ليس منّا»، تدل على خطورة الخلل في هذه الأبواب.

 

ويستشهد النص أيضًا بحديث آخر: «إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم…»

 

فإكرام كبير السن هنا ليس مجرد فضيلة اجتماعية، بل يدخل في باب تعظيم شعائر الله نفسها؛ لأن احترام من شابت لحيته في الإسلام تعبير عن تقدير مسيرة طاعة امتدت لعقود.

 

من هذا المنظور، تصبح مخاطبة الشيوخ وكبار السن بأسلوب فظّ أو متعالٍ بحجة أن «الإسلام لا يعرف إلا التقوى» أو أن «الحق يُقال ولا يُجامل»، نوعًا من سوء الفهم للنصوص. فالحق لا يتعارض مع الأدب، والصدق في بيان الخطأ لا يجيز إسقاط المقامات أو مساواة الأب أو الشيخ بالشاب في طريقة الخطاب. الدعوة الحكيمة هي التي تجمع بين بيان الحق بلا مداهنة، وبين مراعاة السن والخبرة والمقام الاجتماعي، بحيث لا يشعر الكبير أنه أُهين أو صُغِّر أمام من هو أصغر منه سنًّا أو علمًا.

 

حق السابقة والبلاء الحسن.. ميزان عادل بين الزلة والتاريخ

 

المحور الثالث يتناول فكرة «حق السابقة»؛ أي حق من كان له تاريخ طويل في الدعوة أو الجهاد أو تعليم الناس في أن يُراعى هذا التاريخ عند تقييم زلاته أو تغير حاله في مرحلة لاحقة من عمره. الكاتب هنا لا يدعو إلى عصمة الأشخاص أو إسقاط المحاسبة عنهم، لكنه يحذر من منهج شائع: إلغاء تاريخ كامل من البذل والعطاء لمجرد خطأ أو فتور أو انحراف جزئي طارئ.

 

يضرب الدكتور يوسف القرضاوي مثالًا بواقعة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بتحرك النبي لفتح مكة، في حادثة ظاهرها يشبه الخيانة العسكرية، حتى قال عمر بن الخطاب: «دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقد نافق». لكن جواب النبي جاء مختلفًا؛ إذ قال: «وما يُدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم».

 

لم ينفِ النبي خطورة الفعل، ولم يقل إن حاطبًا معصوم من الخطأ، لكنه وضع زلّته في سياق سيرته السابقة: بدريّ شهد يوم الفرقان، وبذل ما لا يطيقه كثيرون في لحظة حاسمة من تاريخ الإسلام. هذه السابقة جعلت له «رصيدًا» من المغفرة والشفاعة، فقبل النبي عذره، ورفض إسقاطه أو إهدار تاريخه.

 

القاعدة التي يقررها النص من هذه الحادثة أن من كان له سبق في الخير – دعوةً أو علمًا أو جهادًا – ثم ظهر منه بعد ذلك ضعف أو تقصير، لا يُسوّى بمن لا رصيد له أصلًا، ولا يُتعامل معه بمنطق التصفية الكاملة والعداء المطلق. بل يُنصح ويُذكَّر ويُرجى له أن يعود، مع الاعتراف بما قدّم في ماضيه.

 

هذا الميزان غائب في كثير من السجالات المعاصرة، حيث يكفي أن يغير داعية موقفًا، أو أن يتعثر عالم، حتى تنهال عليه حملات «إلغاء» رقمي وأخلاقي تمحو كل ما قدّم من خير، وتتعامل مع تاريخه كأنه لم يكن. النص يذكّر بأن المنهج النبوي أعدل وألطف: لا يبرر الخطأ، ولا ينسى الفضل، ويجمع بين التحذير من الزلل والتقدير لما مضى من بلاء حسن في نصرة الدين.

 

في المحصلة، يرسم القرضاوي ملامح «أدب دعوي» مفقود في كثير من الساحات اليوم: دعوة لا تهدم البرّ بالوالدين ولا توقير الكبار، ولا تجحد فضل الأوائل عند أول زلة. أدب يجعل من الرفق والوفاء وحفظ المقامات جزءًا من حقيقة الالتزام، لا مجرد مكملات اختيارية يمكن الاستغناء عنها باسم الغيرة على الحق أو الصراحة في القول.