تشهد منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة سباقًا متسارعًا لإطلاق ممرات تجارية عملاقة تربط الخليج العربي بتركيا أو أوروبا أو البحر المتوسط، في مشروعات يرى خبراء أنها تأتي في إطار منافسة مباشرة لقناة السويس، وأن نجاح أي منها سيكون خصمًا من الشريان البحري الأهم للاقتصاد المصري على المدى الطويل.
وتتوالى إعلانات دول الخليج وتركيا والهند والولايات المتحدة وإسرائيل عن مشروعات برية وبحرية وسككية، تشترك جميعها في هدف واحد: تقليل الاعتماد على قناة السويس وإعادة تشكيل جغرافيا التجارة بين الشرق والغرب.
أولًا: مشاريع الربط الخليجي – التركي… "طريق الشرق الأوسط التاريخي" يعود للحياة
أحدث هذه المشاريع جاء بإعلان عُمان وتركيا الأسبوع الماضي توقيع اتفاق لإنشاء خط سكة حديد يربط الخليج بدول شرق المتوسط ثم تركيا وأوروبا.
يمتد الخط من السلطنة إلى السعودية، ومنها إلى الأردن، ثم يعبر معبر "نصيب" السوري وصولًا إلى تركيا، ليواصل طريقه نحو أوروبا عبر معبر "باب الهوى". ويُتوقع ضم عواصم خليجية أخرى لاحقًا.
وفي لقاء عُماني – تركي بتاريخ 6 نوفمبر، طُرحت خطط لإحياء "خط الترانزيت مع سوريا" وإعادة تشغيل "سكة حديد الحجاز" التاريخية التي ربطت إسطنبول بالحجاز مرورًا بسوريا والأردن.
ووفق موقع ترك برس، فإن هذه المشاريع ستقلل كلفة وزمن النقل بين تركيا والخليج، وتعيد رسم ممرات التجارة بين آسيا وأوروبا عبر محور جديد منافس لقناة السويس.
طريق التنمية (العراق – تركيا)
يُعد مشروع "طريق التنمية" واحدًا من أكبر مشاريع الربط الإقليمي.
يهدف إلى وصل الخليج العربي بأوروبا عبر العراق وتركيا، من خلال إنشاء طريق بري وسكة حديد تمتد 1200 كيلومتر من ميناء الفاو العراقي إلى الأراضي التركية.
ويمثل المشروع إحياءً لمشروع سكة بغداد – حلب – إسطنبول – برلين العثماني – الألماني الذي كان مخططًا أن يصل إلى الكويت لولا الاعتراض البريطاني.
ويراه خبراء أقصر طريق تجاري بين الخليج وأوروبا، بما يجعله منافسًا استراتيجيًا للممر البحري عبر قناة السويس.
ثانيًا: ممر الهند – أوروبا… المشروع الأمريكي الذي يهمّش قناة السويس
أطلقت الولايات المتحدة في سبتمبر 2023 مشروع "ممر الهند" الذي يضم السعودية والإمارات والهند والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.
يهدف الممر إلى نقل السلع بين الهند وأوروبا عبر شبكة بحرية – برية – رقمية تمر بإسرائيل، متجاوزة قناة السويس تمامًا.
وأشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالمشروع واصفة إياه بـ"الطريق الذهبي" الذي سيقلص زمن النقل بنسبة 40%.
لكن "المعهد الأوروبي للدراسات الاستراتيجية" حذّر من أن استبعاد جهات محورية مثل مصر وتركيا وقطر وعُمان وإيران يُعد عقبة كبرى أمام نجاح المشروع.
إسرائيل تحيي "سكة السلام"
تسعى إسرائيل لإنعاش مشروع "سكة السلام" الذي يربط ميناء حيفا بالخليج عبر السعودية والأردن، باعتباره أقصر طريق بين الخليج والبحر المتوسط.
وعادت تل أبيب للضغط لإحيائه بعد تعثر دام عامين بسبب الحرب على غزة، وأجرت وزيرة النقل الإسرائيلية ميري ريغيف زيارة سرية للإمارات لدفع المشروع، وفق يديعوت أحرونوت.
وترى مؤسسات إسرائيلية مثل "معهد ميسغاف للأمن القومي" و"كونراد أديناور" أن المشروع يمنح تل أبيب فوائد استراتيجية:
- تعزيز التطبيع مع الخليج
- الهيمنة على مسارات التجارة
- إنشاء مشروعات الربط الرقمي والطاقة والهيدروجين
- ضمان أمن إسرائيل ضمن شبكة التجارة العالمية
لكن تركيا وفرنسا تدفعان باتجاه مسار بديل يمر عبر سوريا ولبنان وصولًا إلى موانئ البحر المتوسط، لتقويض الدور الإسرائيلي.
ثالثًا: مشاريع سعودية للالتفاف على هرمز وباب المندب.. وقناة سلمان تعود للواجهة
مع تفاقم التوترات في المنطقة، وارتفاع المخاطر قرب مضيق هرمز وباب المندب، ازداد اهتمام السعودية بإنشاء ممرات آمنة لتصدير النفط بعيدًا عن المناطق الملتهبة.
في 2015، اقترحت دراسة سعودية إنشاء قناة بحرية بين الخليج وبحر العرب عبر السعودية واليمن بطول نحو 950 كيلومترًا، لكنها لم تُنفذ.
ومع الحرب على غزة عام 2023 وتصاعد هجمات الحوثيين على السفن، ظهرت دعوات لإحياء مشروع "ممر مائي" يربط الخليج بالبحر الأحمر عبر شمال نجد، لينقل النفط مباشرة إلى قناة السويس دون المرور بهرْمُز أو باب المندب؛ لكن المشروع لم يُعلن رسميًا بعد.
رابعًا: مصر تتحرك… مشروع سكة حديد سيناء لتعزيز الاتصال التجاري
على الجانب الآخر، تعمل مصر على تطوير خيارات بديلة تعزز موقعها في التجارة العالمية.
فقد بدأت إنشاء خط "سكة حديد سيناء" الذي يربط مينائي السخنة والسويس على البحر الأحمر بميناء العريش على المتوسط، ومنه إلى شبكة السكك القومية عبر الفردان.
وقّعت مصر اتفاقية تمويل مع الوكالة الفرنسية للتنمية في أبريل الماضي.
ويُتوقع أن يحوّل ميناء العريش إلى مركز إقليمي للحاويات والبضائع المتجهة إلى المشرق العربي وأوروبا، مع توفير ربط محتمل بالأردن والسعودية عبر موانئ البحر الأحمر.
خامسًا: مخاوف مصرية متصاعدة… وملف تيران وصنافير يعود مجددًا
تشير تقارير مصرية إلى تصاعد القلق بشأن تأثير الممرات الجديدة على قناة السويس. وكشف تسريب حديث عن رفض جهات أمنية مصرية تسليم جزيرتي تيران وصنافير، خشية استغلال السعودية وإسرائيل لمضيق تيران لتمرير تجارة النفط عبر خط أنابيب إسرائيلي، ما قد يقلل حركة ناقلات النفط بقناة السويس وخط سوميد المصري.
ويرى خبراء أن هذه المشاريع قد تؤثر أيضًا على:
- مشروعات الربط الكهربائي مع الأردن والسعودية ولبنان وسوريا والعراق
- مشاريع الطاقة النظيفة المصرية
- مرور كابلات الاتصالات البحرية عبر قناة السويس
كما حذّر "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" من أن "ممر الهند" يشكّل ضربة قوية لمصر، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن سعة السكك الحديدية لن تنافس سعة قناة السويس، وأن الشركات لن تفضّل نقل الهيدروكربونات برًا.
سادسًا: قناة السويس بين التهديدات والفرص
رغم التحديات، تؤكد دراسات دولية أن قناة السويس لا تزال تمتلك مزايا استراتيجية ضمن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، ما قد يعزز موقع مصر كمركز لوجستي عالمي.
لكن التحديات قائمة، خاصة مع ظهور طرق منافسة مثل:
- طريق بحر الشمال (NSR) عبر القطب الشمالي
- طريق سيبيريا (TSR)
وفي سبتمبر الماضي، افتتحت الصين أول خط شحن منتظم عبر القطب الشمالي نحو أوروبا، في رحلة تستغرق 18 يومًا فقط — نصف زمن عبور قناة السويس تقريبًا.
وتعاني القناة بالفعل من انخفاض الإيرادات بعد أزمة حرب غزة، وتقدّر خسائرها بنحو 8 مليارات دولار بسبب توجه 60% من حركة الملاحة نحو رأس الرجاء الصالح.
سابعًا: قراءة تحليلية للتغيرات الجيوسياسية
يرى الباحث المصري حسام عبدالكريم أن المعابر والمضايق البحرية تعد من أهم عناصر الأمن العالمي، وغالبًا تُدار وفق اتفاقات تتجاوز سيادة الدول المشرفة عليها.
ويشير إلى أن إنشاء ممر تجاري جديد دون مراعاة مصالح الدول المتضررة يمكن اعتباره نوعًا من "أعمال الحرب".
ويربط بين عودة هذه المشاريع الضخمة اليوم وبين التحولات الجيواستراتيجية الكبرى التي أعقبت الحرب على غزة، ومحاولات إعادة تشكيل الإقليم لعقود مقبلة.
ويؤكد أن ممر الهند — رغم إمكاناته — يواجه عقبات كبيرة، وأن خطوط السكك الحديدية لا يمكنها تعويض القدرة الهائلة لقناة السويس.
كما أن مقترحات المشروع نفسها ضمّت مصر عبر استخدام موانئ بورسعيد ودمياط والإسكندرية، وربطها بجسور برية عبر جزر تيران، ما قد يخفف جزءًا من خسائر القناة.
خلاصة
تشهد المنطقة لحظة إعادة تشكيل كبرى لخرائط التجارة العالمية، حيث تسعى قوى إقليمية ودولية لإعادة بناء شبكات الربط بين آسيا وأوروبا بطرق بديلة تتجاوز المسار الذي احتكرته قناة السويس منذ 1869.
وبينما تواجه مصر ضغوطًا متزايدة من هذه المشاريع، فإن موقعها الجغرافي الفريد يجعلها لاعبًا يصعب تجاوزه — لكنها بحاجة ماسة لاستراتيجيات جديدة تضمن لها البقاء في قلب حركة التجارة العالمية، قبل أن تستقر خريطة الشرق الأوسط التجارية لعقود قادمة.

