فقد طالب بكلية الهندسة حياته دهساً تحت عجلات حافلة مدرسية بمنطقة المعادي جنوب القاهرة، بعدما طاردته مجموعة من الكلاب الضالة بشراسة في أحد الشوارع، ليسقط ضحية جديدة لإهمال السلطات المتواصل في التعامل مع أزمة باتت تهدد حياة المواطنين بشكل يومي. الواقعة المأساوية تأتي بعد أسابيع قليلة من مقتل مواطن مسن في بورسعيد تعرض لهجوم ضارٍ من كلاب ضالة، في تكرار مفزع لمشهد الموت الذي يطارد المصريين في شوارعهم دون أن تحرك السلطات ساكناً إلا بعد سقوط الضحايا.

 

حصيلة مروعة: موتى ومصابون في شوارع مصر

 

شهد عام 2025 سلسلة من الحوادث القاتلة المرتبطة بهجمات الكلاب الضالة في عدة محافظات مصرية. في بورسعيد، فارق مواطن مسن الحياة بعد تعرضه لهجوم وحشي من قطيع كلاب ضالة في أحد الشوارع العامة، وسط صرخات الاستغاثة التي لم تجد من يستجيب لها في الوقت المناسب.

 

الحادثة الأكثر إيلاماً وقعت في المعادي، حيث كان طالب الهندسة في طريقه لممارسة حياته الطبيعية، قبل أن تحوله مطاردة شرسة من كلاب ضالة إلى هارب يائس انتهى به المطاف جثة هامدة تحت عجلات حافلة. المشهد الدامي الذي وثقه شهود عيان يكشف حجم الرعب الذي يعيشه المواطنون في ظل غياب أي إجراءات وقائية حقيقية.

 

هذه الوقائع المسجلة لا تمثل سوى قمة جبل الجليد، إذ أن العشرات من حوادث العقر والمطاردات تحدث يومياً دون توثيق أو متابعة رسمية، في ظل سياسة التعتيم المتعمدة على الأرقام الحقيقية للضحايا والمصابين.

 

إجراءات متأخرة وحلول شكلية بعد الكارثة

 

لم تتحرك السلطات في بورسعيد إلا بعد سقوط الضحية، حيث أقر المجلس التنفيذي للمحافظة تحت رئاسة اللواء محب حبشي قراراً بتخصيص مساحتين لإنشاء ملجأين للكلاب الضالة. القرار المتأخر شمل تخصيص قطعة أرض بمساحة 5072.4 متر مربع من حديقة الحيوان بمدينة بورفؤاد، ومساحة 3030 متراً مربعاً من حظائر القابوطي الجديد بحي الجنوب.

 

في السياق ذاته، أعلنت محافظة الدقهلية عن تخصيص 2100 متر مربع بمدينة جمصة لإنشاء ملجأ آخر، مع وعود بإدارته وفق "أسس علمية" وتوفير رعاية طبية وتطعيمات، وهي الوعود المكررة التي لا تتجاوز البيانات الصحفية إلى أرض الواقع.

 

هذه الإجراءات الارتجالية التي تأتي دائماً متأخرة بعد سقوط الضحايا تكشف غياب أي استراتيجية وقائية شاملة، وتؤكد أن الحكومة تتعامل مع الملف بمنطق "إطفاء الحرائق" الإعلامي دون معالجة جذرية للأزمة.

 

تحذيرات طبية مهملة من خطر "السعار" القاتل

 

حذرت الدكتورة سارة عطاالله، رئيس المركز العلمي بالنقابة العامة للأطباء البيطريين، في تصريحات صحفية من أن ظاهرة الكلاب الضالة أصبحت تهديداً متصاعداً لسلامة المواطنين، مشيرة إلى أن عقر الكلاب يمثل أخطر وسيلة لنقل فيروس "السعار" الفتاك من الحيوان إلى الإنسان.

 

وأوضحت عطاالله أن السعار مرض فيروسي قاتل بمجرد ظهور أعراضه السريرية، ما يستوجب توخي أقصى الحيطة في التعامل مع الكلاب الضالة، محذرة من تعرض الأطفال بشكل خاص لهجمات مفاجئة من هذه الحيوانات.

 

ودعت الخبيرة البيطرية إلى التوقف عن سياسة "رد الفعل" التي تلي الحوادث، والبدء في تطبيق خريطة طريق علمية شاملة تتضمن التطعيم الدوري، عمليات التعقيم، إنشاء ملاجئ خاضعة لرقابة بيطرية صارمة، ورفع الوعي المجتمعي بالبروتوكولات الآمنة للتعامل مع حيوانات الشوارع.

 

على الجانب الآخر، عبرت سارة الجوهري، صاحبة أحد ملاجئ الحيوانات ومؤسسة مبادرات الرفق بالحيوان، في تصريحات صحفية عن وجهة نظر مختلفة، مؤكدة أن الكلاب الموجودة في الشوارع ليست كلها شرسة بطبيعتها، وأن السلوك العدواني غالباً ما يكون استجابة لشعور الحيوان بالخطر.

 

وأوضحت الجوهري أن معظم حوادث العقر المسجلة تحدث كدفاع عن النفس أو نتيجة استفزاز خارجي وليس كعدوان فطري، داعية إلى غرس ثقافة التعامل الرفيق لدى الأطفال.

 

غير أن هذا الرأي لا يعفي السلطات من مسؤوليتها الكاملة في حماية المواطنين، إذ يبقى السؤال المطروح: لماذا تنتظر الحكومة حتى يسقط القتلى لتعلن عن إجراءات كان يجب تطبيقها منذ سنوات؟ ولماذا لا توجد إحصائيات رسمية شفافة عن عدد الضحايا والمصابين وحالات الإصابة بالسعار؟

 

الإجابة تكمن في منظومة فشلت في أداء أبسط واجباتها تجاه المواطنين، وتكتفي بالبيانات الإعلامية وتخصيص قطع أراضٍ على الورق، بينما تستمر الكلاب الضالة في حصد أرواح المصريين في شوارعهم.