في خطوة جديدة من مسلسل التفريط في المقدرات الوطنية، أعلن الدكتور أحمد هيكل، رئيس شركة القلعة للاستثمارات المالية، عن خطة لطرح 6 شركات تابعة في البورصة المصرية خلال عامين فقط، ضمن استراتيجية تستهدف طرح 12 شركة خلال 6 أعوام.

 

يأتي هذا الإعلان في الوقت الذي يعاني فيه المصريون من تراجع استهلاك اللحوم من 18 طناً لكل ألف نسمة عام 2018 إلى 9 أطنان فقط عام 2022، وباتت فئة الـ200 جنيه تمثل 66.4% من النقد المتداول.

 

بينما يتقشف المواطن عن اللحوم والملابس، تُعرض أصول مصر الاستراتيجية في الطاقة والزراعة والإنتاج الحيواني للبيع في البورصة لصالح المستثمرين الأجانب.

 

بيع مصر قطعة قطعة: خطة التفريط الممنهج

 

تتضمن قائمة الشركات المستهدف طرحها في البورصة المصرية "دينا الصناعية" وشركات الطاقة واللوجستيكس، بالإضافة إلى قطاع الزراعة والإنتاج الحيواني عبر شركة مزارع دينا.

 

يصرح هيكل بأن "القلعة" حققت إيرادات بقيمة 180 مليار جنيه العام الحالي، وانخفضت ديونها من 3.4 مليار دولار إلى 1.1 مليار دولار.

 

لكن هذه الأرقام المبهرة تخفي حقيقة مرة: أن الشركة التي تستحوذ على قطاعات استراتيجية حيوية للأمن القومي المصري تستعد لبيع حصص كبيرة لرأس المال الأجنبي.

 

ويؤكد الدكتور علاء عز، أمين عام اتحاد الصناعات المصرية، أن "سياسة طرح الشركات الاستراتيجية في البورصة دون ضوابط وطنية واضحة تعني فقدان السيطرة على مقدرات البلاد"، مشيراً إلى أن "القطاعات التي تستهدفها القلعة هي عمود الاقتصاد المصري ولا يجوز التفريط فيها".

 

المستثمرون الأجانب يأكلون والمواطنون يجوعون

 

التناقض الصارخ يظهر في أن القلعة تستثمر في "الإنتاج الحيواني" بينما يتحول المصريون إلى "البركة" كبديل للبروتين.

 

بينما تستعد القلعة لطرح شركاتها في البورصة لجذب المستثمرين الأجانب، يشهد استهلاك المصريين من اللحوم تراجعاً بنسبة 50% خلال 4 سنوات.

 

كما يوضح الدكتور شريف الدمرداش، رئيس الجمعية المصرية للاقتصاد والتمويل، أن "طرح شركات الأمن الغذائي في البورصة يعني تحويل الغذاء إلى سلعة مضاربة يتحكم في أسعارها المستثمرون الأجانب"، محذراً من أن "المواطن المصري سيصبح رهينة لقرارات مجالس إدارة تضم مستثمرين أجانب لا يهمهم سوى الربح".

 

بينما يدفع المواطن ثمن الكهرباء والغاز باهظاً، تستعد القلعة لبيع شركات الطاقة للأجانب.

 

تؤكد الدكتورة منى البرادعي، الخبيرة الاقتصادية في مركز الدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن "سياسة التفريط في الأصول الاستراتيجية هي امتداد لسياسات الخصخصة الفاشلة التي أدت إلى تدهور الخدمات العامة".

 

ريعية جديدة: من يملك 21 ألف دولار يصبح مليونيراً

 

في الوقت الذي تُباع فيه أصول مصر للأجانب، تتكاثر ثروات المليونيرات المحليين. تضم قائمة مليونيرات مصر حالياً 49 شخصاُ، بينهم 27 يقيمون بالقاهرة، تحتل بهم مصر المرتبة الأولى إفريقياً.

 

فيما يطرح الدكتور حسين عبد الرازق، الخبير الاقتصادي المتخصص في شؤون البورصة، تساؤلات حول "الآليات التي تسمح لشركة مثل القلعة بتحقيق مثل هذه الأرباح الضخمة بينما يعاني المواطن"، مشيراً إلى أن "طرح الشركات في البورصة سيخلق طبقة جديدة من المليونيرات على حساب المواطن البسيط".

 

يؤكد عبد الرازق أن سياسات الحكومة أدت إلى ظهور "مليونيرات فجأة" دون سابق إنذار، مستفيدة من تحرير سعر الصرف الذي غير معادلة الثروة، حيث أصبح من يملك 21 ألف دولار فقط مليونيراً بالجنيه المصري.

 

بينما يتقشف المصريون عن الملابس بنسبة 20%، تزيد القلعة إيراداتها بالمليارات وتستعد لطرح شركاتها للأجانب.

 

هذه ليست سياسة اقتصادية، بل جريمة اقتصادية منظمة تستهدف تحويل مصر من دولة منتجة إلى سوق استهلاكية تابعة، وتفريط أصولها لصالح قلة من المستثمرين الأجانب والمحليين على حساب شعب بأكمله.