اعتادت وسائل الإعلام المصرية مع مطلع كل عام جديد الترويج لرواية متفائلة عن الاقتصاد الوطني، تتحدث عن اقتراب جني ثمار الإصلاح الاقتصادي وانحسار معاناة المواطنين. غير أن السنوات الماضية أثبتت أن هذه الوعود ظلت حبيسة المؤشرات والتصريحات، بينما كانت الأحوال المعيشية للمواطنين تزداد صعوبة، خصوصًا مع تطبيق روشتة صندوق النقد الدولي القائمة على خفض الدعم، وزيادة الضرائب، وبيع الأصول العامة.
ومع دخول العام الجديد، عادت النغمة التفاؤلية بقوة، مدعومة بأرقام رسمية عن النمو والصادرات والسياحة والاحتياطي النقدي. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل انعكس هذا “التحسن” على حياة الناس فعليًا، أم أن الفجوة ما زالت قائمة بين المؤشرات الاقتصادية ومعيشة المواطن؟
التضخم والأجور.. لماذا لا يشعر المواطن بالتحسن؟
تروج الحكومة لانخفاض معدلات التضخم خلال العام الماضي، وتؤكد أن الاتجاه النزولي سيستمر خلال العام الحالي. غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل يعني فقط تباطؤ وتيرة ارتفاعها. فالسلع الأساسية التي كانت تُشترى بمئة جنيه قبل عامين، أصبحت تُكلف المواطن اليوم ما يقارب 150 إلى 160 جنيهًا، ولا توجد أي مؤشرات حقيقية على تراجعها.
في المقابل، تظل الأجور عاجزة عن ملاحقة هذا الارتفاع. فالحد الأدنى للأجور في الجهاز الحكومي والقطاع الخاص يبلغ سبعة آلاف جنيه شهريًا، وهو رقم لا يغطي احتياجات أسرة صغيرة في ظل أسعار الغذاء والسكن والمواصلات. والأسوأ أن هذا الحد الأدنى لا يُطبّق فعليًا في شريحة واسعة من منشآت القطاع الخاص، حيث تدور الأجور بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف وخمسمئة جنيه.
أما برامج الحماية الاجتماعية مثل “تكافل وكرامة”، فرغم الزيادات المعلنة، فإن قيمتها الفعلية تظل أقل من خط الفقر للفرد الواحد، ناهيك عن الأسرة. وهذا يعني أن المواطن لا يشعر بأي تحسن حقيقي، لأن دخله لا يواكب كلفة المعيشة، مهما تحسنت الأرقام الكلية.
البطالة والاستثمارات.. أرقام لا تعكس الواقع
تعلن الحكومة تراجع معدل البطالة إلى نحو 6.4%، لكن هذه النسبة تواجه تشكيكًا واسعًا. فاستمرار الهجرة غير الشرعية، وقبول الشباب العمل بأجور متدنية، وانتشار البطالة المقنّعة، كلها مؤشرات على أن سوق العمل لا يزال يعاني اختلالات عميقة.
كما أن الحديث عن ارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة لا يعني بالضرورة خلق فرص عمل جديدة. فجزء كبير من هذه الاستثمارات يذهب إلى شراء أراضٍ أو الاستحواذ على شركات قائمة بالفعل، وهو ما لا يضيف طاقات إنتاجية أو وظائف حقيقية. أما القطاع الخاص المصري، فيعاني من ارتفاع تكلفة الاقتراض، وتعقيدات بيروقراطية، ومنافسة غير متكافئة مع شركات تابعة للدولة والجيش، ما يحدّ من قدرته على التوسع والتشغيل.
هذه البيئة تدفع العديد من رجال الأعمال إلى نقل استثماراتهم أو نشاطهم إلى الخارج، خاصة إلى دول الخليج، وهو ما يعكس أزمة ثقة في مناخ الاستثمار المحلي، ويضعف فرص خلق وظائف مستدامة داخل الاقتصاد المصري.
الخدمات العامة والدين.. التنمية الغائبة
رغم الوعود المتكررة بتحسين الصحة والتعليم، فإن الواقع المالي يفرض قيودًا قاسية. ففوائد وأقساط الدين الحكومي تلتهم ما يقرب من ثلثي الإنفاق العام، ما يترك حيزًا محدودًا لبقية بنود الموازنة. وتشير بيانات التنفيذ الفعلي للموازنة إلى تراجع الإنفاق الاستثماري عن المخطط له، وهو ما ينعكس سلبًا على تطوير الخدمات الأساسية.
في الوقت نفسه، تواجه الدولة مشكلة في تحصيل إيرادات النقد الأجنبي محليًا. فجزء معتبر من حصيلة الصادرات والسياحة لا يدخل البلاد، بل يبقى في الخارج، في حين تُستنزف الموارد المتاحة في سداد أعباء الدين الخارجي التي تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات سنويًا. وهكذا، تبتلع خدمة الدين أي تحسن في موارد النقد الأجنبي، دون أن ينعكس ذلك على حياة المواطنين.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو الحديث عن جني المواطن لثمار الإصلاح الاقتصادي في العام الجديد أقرب إلى الأمنيات منه إلى الواقع. فالنمو الاقتصادي، حين لا يتحول إلى تنمية شاملة، يبقى رقمًا بلا معنى اجتماعي. والمواطن لا يعيش على مؤشرات، بل على دخل حقيقي وخدمات جيدة وفرص عمل مستقرة. إن أي تحسن ملموس يتطلب تحولًا جذريًا في السياسات، يقوم على زيادة الإنتاج الحقيقي، ودعم الصناعة والزراعة، وتحسين بيئة الاستثمار المحلي، وتخفيف أعباء المعيشة، بدل الاكتفاء بإصلاحات مالية ونقدية لا تصل آثارها إلى موائد الناس.

