بدأ العام الجديد على وقع الخسائر في سوق المال المصرية، حيث اكتست شاشات التداول باللون الأحمر لتعلن عن أول إنذار مبكر لانتهاء موجة الصعود المصطنعة التي غذتها الحكومة في 2025 عبر ضخ أموال مؤسساتها وصناديقها السيادية.
ففي أول جلسات 2026، تراجع رأس المال السوقي للأسهم المدرجة بنحو 21 مليار جنيه، وانخفض المؤشر الرئيسي "إيجي إكس 30" بنسبة 1.42% إلى 41235 نقطة، وسط موجة بيع من المستثمرين العرب والأجانب، في مقابل شراء ضعيف من المصريين. هذه البداية الصادمة أعادت إلى الواجهة الأسئلة الكبرى حول هشاشة السوق، واعتمادها على أموال ساخنة لا على نمو حقيقي في الاقتصاد أو أرباح الشركات.
تراجع جماعي.. ونزيف في القيمة السوقية
شهدت الجلسة الأولى للعام الجديد تراجعًا واضحًا في جميع المؤشرات، حيث انخفض مؤشر "إيجي إكس 70 متساوي الأوزان" بنسبة 0.08%، بينما خسر المؤشر الأوسع نطاقاً "إيجي إكس 100 متساوي الأوزان" نحو 0.31%.
بلغت قيم التداول 1.27 مليار جنيه على نحو 585 مليون سهم عبر أكثر من 54 ألف عملية. ورغم ارتفاع 91 سهماً من أصل 214، إلا أن الأسهم القيادية ذات الوزن الكبير في السوق كانت الأكثر ضغطًا على المؤشر، خاصة أسهم القطاع المالي والخدمات اللوجستية والطاقة.
يقول إيهاب رشاد، خبير أسواق المال والرئيس التنفيذي السابق لأحد شركات التداول، إن التراجع الحالي ليس مفاجئًا، موضحًا أن “الارتفاعات القياسية العام الماضي اعتمدت على ضخ مؤسسي حكومي لا على تدفقات استثمارية حقيقية”، ما جعل السوق هشًا أمام أي عمليات جني أرباح أو تحركات فردية من المستثمرين الأجانب.
ويرى رشاد أن خسائر 21 مليار جنيه في أول جلسة من العام “تكشف حقيقة السوق الذي يعيش على دعم مصطنع، لا على تنافسية واستقرار اقتصادي.”
وفي السياق ذاته، يوضح محمد كمال، العضو المنتدب لشركة "الرواد لتداول الأوراق المالية"، أن نتائج الجلسة تعكس تحفظ المستثمرين تجاه غياب الوضوح في السياسة النقدية ومحاولات الحكومة المتكررة لتعويم الجنيه، مضيفًا: “كلما زاد الغموض حول سعر الصرف، كلما انسحب المستثمرون لتقليل المخاطر.”
بيع أجنبي وعربي.. ومصريّون يحاولون إنقاذ الموقف
بيانات التداول أوضحت أن المستثمرين العرب والأجانب اتجهوا للبيع بصافي 21.5 مليون جنيه و8.4 مليون جنيه على التوالي، مقابل صافٍ شرائي ضعيف قدره 30 مليون جنيه للمصريين.
يقول محمود شكري، الخبير المالي ورئيس شركة "عريان المالية للاستشارات"، إن اتجاه الأجانب والعرب للتخارج “إشارة خطيرة على فقدانهم الثقة في استقرار السياسة الاقتصادية”.
ويضيف: "المستثمر الأجنبي لا يتحرك بناء على أرقام النمو المُعلنة بل وفق إشارات الاقتصاد الكلي، ومؤشرات الدين الخارجي المتصاعدة تجعلهم أكثر حذرًا. السوق المصري أصبح مرتبطًا مباشرة بمستوى المخاطر السيادية للبلد، وليس فقط بأداء الشركات المدرجة."
بينما يحذر الخبير الاقتصادي رمضان السيد من أن تكرار مثل هذه الموجات البيعية في بداية العام “قد يضعف قدرة السوق على جذب سيولة جديدة ويؤدي إلى خروج متواصل لرؤوس الأموال”، خاصة مع استمرار الحديث عن إصدار طروحات حكومية جديدة في قطاعات استراتيجية، مقابل بيئة تنظيمية غير شفافـة.
ويشير السيد إلى أن “التدفقات الحكومية العام الماضي كانت مجرد محاولة لرفع السوق قبل الانتخابات المحلية القادمة وليس لأسباب اقتصادية حقيقية”، مؤكدًا أن “الأسواق الحرة لا تنهض بقرارات سياسية بل بثقة المستثمرين وإصلاح البنية المالية.”
مأزق حقيقي.. هل تكفي "الطروحات" لإنقاذ السوق؟
الوضع الحالي يضع الحكومة أمام مأزق مزدوج: كيف تحافظ على صورة سوق صاعد أمام الرأي العام المحلي، وفي الوقت نفسه تواجه تراجع اهتمام المستثمرين الأجانب؟
خطة “الطروحات الحكومية” التي روجت لها الدولة في عام 2025 لم تُحدث الأثر الموعود، إذ خضعت معظمها لوصاية مالية حكومية قللت من حرية التداول وجاذبية الاستثمار.
يقول أشرف ثابت، خبير الاستثمار وأسواق المال، إن استمرار الاعتماد على سيولة حكومية وصناديق سيادية تابعة للدولة دون توفير بيئة تنافسية حقيقية يعيد السوق إلى نقطة الصفر في كل مرة.
ويضيف: “البورصة المصرية لا تعكس أداء الاقتصاد، بل أصبحت ساحة مضاربة مدعومة، تتحرك فيها الأسعار بحسب التوجيهات السياسية لا القوة الشرائية.”
ويتفق معه هاني توفيق، الرئيس السابق للجمعية المصرية للاستثمار المباشر، الذي يرى أن الحكومة تعامل البورصة كأداة ضغط سياسية لا كمنصة تمويل. يقول: “حين يُستغل السوق لتجميل الواقع الاقتصادي أمام المستثمرين الدوليين، تكون النتيجة حتمية: انتكاسات متكرّرة، مثل التي نراها اليوم.”
ويشير إلى أن معالجة وضع السوق تحتاج أكثر من إجراءات شكلية، فهي تتطلب استقلال حقيقي لهيئة الرقابة المالية، وحوكمة شفافة للطروحات الحكومية، وإصلاح ضريبي متوازن يمنع ضرب السوق بالضرائب المفاجئة ويعزز الحوكمة والإفصاح تجاه المستثمرين.
واللون الأحمر الذي طغى على شاشات التداول في أول أسبوع من 2026 ليس عابرًا، بل رسالة واضحة بأن الأسواق لا تُدار بالأوامر ولا تتجمّل بالشعارات.
ومع استمرار التراجع وثبات السياسة الحكومية على النهج ذاته، قد يجد الاقتصاد المصري نفسه أمام عام جديد من الهشاشة المالية التي تحكمها التقارير الدعائية أكثر من قواعد السوق الحرة.
إن المستثمرين لا يحتاجون إلى طمأنة إعلامية، بل إلى ثقة تُبنى على الشفافية والاستقرار وقرارات اقتصادية مسؤولة—وهو ما يبدو غائبًا حتى اللحظة.

