تعثّرت جولة المفاوضات الجديدة التي استضافتها العاصمة السورية دمشق، بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد»، في تحقيق أي اختراق حقيقي على طريق تنفيذ اتفاق العاشر من مارس 2025، وسط استمرار الخلافات حول آليات التطبيق وشكل الاندماج السياسي والعسكري.
وشارك في الاجتماعات قائد «قسد» العام مظلوم عبدي، إلى جانب وفد من القيادة العامة للقوات، حيث جاءت اللقاءات في إطار متابعة الاتفاق الموقع مع الرئيس السوري أحمد الشرع، والذي نصّ على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية قبل نهاية العام الجاري.
وبحسب ما نقلته قناة «الإخبارية السورية» عن مصدر حكومي مطلع، فإن المحادثات لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة من شأنها تسريع تنفيذ الاتفاق على الأرض، رغم استمرار النقاشات لساعات. وأوضح المصدر أن الطرفين اكتفيا بالتوافق على عقد اجتماعات لاحقة في وقت لم يُحدد، في ظل استمرار التباين في وجهات النظر بشأن عدد من البنود الجوهرية.
اتفاق مؤجّل التنفيذ
الاتفاق الذي وُقّع في 10 مارس الماضي اعتُبر حينها خطوة مفصلية في مسار إعادة توحيد مؤسسات الدولة السورية، خاصة في المناطق التي تسيطر عليها «قسد» شمال شرقي البلاد.
غير أن التطبيق العملي لبنوده اصطدم منذ البداية بعقبات سياسية وعسكرية، أبرزها الخلاف حول طبيعة دمج القوات، وصلاحيات القيادات المحلية، وشكل الإدارة المستقبلية للمناطق ذات الغالبية الكردية.
وكانت وكالة الصحافة الفرنسية قد نقلت الشهر الماضي عن مسؤول كردي أن «قسد» تسلمت مقترحًا مكتوبًا من دمشق، ينص على دمج قواتها في صفوف الجيش السوري، عبر تقسيمها إلى ثلاث فرق عسكرية وعدد من الألوية، من بينها لواء خاص بالمرأة، على أن تنتشر هذه التشكيلات في مناطق سيطرة «قسد» الحالية، وتتولى قيادتها كوادر من القوات نفسها.
ردود متبادلة دون حسم
وفي 22 ديسمبر أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق تسلمت ردًا رسميًا من «قسد» على المقترح الذي صاغته وزارة الدفاع، دون الكشف عن تفاصيله، ما فتح الباب أمام تكهنات حول حجم التنازلات المتبادلة وإمكانية الوصول إلى صيغة توافقية.
من جهتها، أكدت قوات سوريا الديمقراطية، في بيان، أن لقاءات دمشق جاءت في سياق مباحثات مستمرة حول عملية الاندماج، مشيرة إلى أن الوفد ضم مظلوم عبدي وعددًا من أعضاء القيادة العامة. وأوضحت أن النتائج النهائية والتفاصيل ستُعلن بعد استكمال المشاورات الجارية، في محاولة لاحتواء الانتقادات بشأن غياب أي تقدم ملموس.
الإدارة الذاتية: الاتفاق حل وطني شامل
في موازاة ذلك، شددت ما تُعرف بـ«الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا»، التابعة لـ«قسد»، على ضرورة الالتزام الكامل باتفاق العاشر من مارس وتطبيقه دون انتقائية. واعتبرت الإدارة أن الالتزام بالاتفاق يشكّل «حلًا وطنيًا شاملًا» يسهم في بناء سوريا ديمقراطية لا مركزية تضمن حقوق جميع مكوناتها، في إشارة إلى المخاوف الكردية من العودة إلى المركزية الصارمة.
خلفية الصراع والنفوذ
وخلال السنوات العشر الماضية، نجحت قوات سوريا الديمقراطية، التي تقودها وتُهيمن عليها وحدات حماية الشعب الكردية، في بناء إدارة ذاتية تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية واقتصادية وخدمية.
كما سيطرت على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا بعد طرد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهي مناطق تضم أبرز حقول النفط والغاز في البلاد، ما يمنحها وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا في أي تسوية مستقبلية.
ورغم الضغوط الداخلية والخارجية لدفع مسار الاندماج قدمًا، تبدو المفاوضات الحالية عالقة بين رغبة دمشق في استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها ومؤسساتها، وسعي «قسد» للحفاظ على مكاسبها الإدارية والعسكرية التي راكمتها خلال سنوات الحرب.
وفي ظل غياب جدول زمني واضح وخارطة طريق تنفيذية، تبقى جولات التفاوض المقبلة مرهونة بقدرة الطرفين على تضييق فجوة الخلافات، وتحويل الاتفاق الموقّع إلى واقع ملموس، بدل بقائه حبرًا على ورق.

