في وقتٍ تتسارع فيه التطورات السياسية والعسكرية والإنسانية في السودان، التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بمدينة بورتسودان شرقي البلاد، نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي، في لقاءٍ عكس تداخل المسارات السياسية الإقليمية مع واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية التي يشهدها السودان منذ عقود، في ظل استمرار الحرب مع قوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.

 

مساعٍ دبلوماسية وسط نيران الحرب

 

وبحسب بيان صادر عن مجلس السيادة السوداني ووزارة الخارجية السعودية، تناول اللقاء الأوضاع الراهنة في السودان، والجهود المبذولة لوقف الحرب وإحلال السلام. وأفاد البيان بأن المباحثات تطرقت إلى مبادرة السلام التي يرعاها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بالشراكة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تهدف إلى معالجة جذور الأزمة السودانية، ووقف نزيف الدم، وإعادة الاستقرار إلى البلاد.

 

من جهتها، نقلت وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) أن اللقاء ناقش سبل تحقيق السلام بما يحفظ أمن السودان واستقراره ووحدته، ويصون مؤسساته الشرعية، مؤكدة حرص المملكة على دعم أي مسار يؤدي إلى عودة الأمن وتلبية تطلعات الشعب السوداني.

 

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات سياسية وعسكرية متزايدة، حيث لم تفلح المبادرات السابقة في وقف القتال، بينما تتواصل المعارك في عدة ولايات، مخلفةً دمارًا واسعًا وخسائر بشرية هائلة.

 

حرب مفتوحة وانتهاكات جسيمة

 

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قُتل عشرات الآلاف من المدنيين، ونزح ما يقارب 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، في واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم. ومع استمرار القتال، تتصاعد التقارير الحقوقية والإنسانية التي توثق انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، خصوصًا في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

 

وفي هذا السياق، أطلقت وزيرة الدولة للتنمية الاجتماعية والموارد البشرية السودانية، سليمى إسحاق، اتهامات خطيرة بحق قوات الدعم السريع، مؤكدة توسعها في التجنيد القسري للأطفال والشباب، واستخدام العنف الجنسي والاغتصاب كسلاح حرب، إلى جانب عمليات اختطاف واسترقاق لفتيات وبيعهن في دول مجاورة.

 

تجنيد قسري وجرائم منظمة

 

وقالت الوزيرة، في تصريحات إعلامية، إن وزارتها تلقت تقارير موثوقة عن توسع الدعم السريع في تجنيد الأطفال والشباب قسرًا في ولايتي غرب وجنوب كردفان خلال الأسابيع الأخيرة، مشيرةً إلى أن هذه الممارسات تتم في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى تعويض النقص في صفوف المقاتلين.

 

وأضافت أن القوات نفسها ارتكبت انتهاكات واسعة ضد المدنيين، شملت قصف مدن، وحصار مناطق كاملة، واستخدام العنف الجنسي للضغط على الحكومة السودانية سياسيًا، تحت لافتة “حماية المدنيين”.

 

اختطاف واسترقاق وعنف غير مسبوق

 

وكشفت سليمى إسحاق عن تلقي تقارير تفيد باختطاف فتيات وبيعهن في أسواق بدول مثل تشاد وأفريقيا الوسطى، متهمةً سلطات في تلك الدول بالتواطؤ، إضافة إلى احتجاز مئات النساء في مدينة نيالا، ووجود حالات اختفاء قسري واسعة تتحفظ كثير من الأسر عن الإبلاغ عنها خوفًا ووصمًا اجتماعيًا.

 

وأوضحت أن بعض النساء عشن أوضاع استرقاق حقيقية، حُرمن فيها من الطعام والشراب، وأُجبرن على تعاطي المخدرات، ما فاقم من أوضاعهن الصحية والنفسية. وروت الوزيرة وقائع صادمة عن ممارسات قادة ميدانيين في الدعم السريع، بثوا الرعب في المناطق التي سيطروا عليها، وارتبطت أسماؤهم بحملات نهب وانتهاكات جسيمة.

 

أرقام صادمة وحساسية اجتماعية

 

وأشارت الوزيرة إلى صعوبة حصر الأرقام الدقيقة لضحايا الاغتصاب، مؤكدة أن ما تم رصده لا يعكس الحجم الحقيقي للكارثة. وذكرت أن عدد النساء الناجيات الموثقات قبل سقوط الفاشر بلغ 1844 حالة، إضافة إلى مئات الحالات الأخرى في ولايات مختلفة، من بينها 221 حالة لفتيات دون سن 15 عامًا، تشمل خمس فتيات لم يتجاوز عمرهن عامًا واحدًا.

 

وأكدت أن نحو 70% من المغتصبات خضعن لإجهاض قانوني، وسط جدل ديني واجتماعي واسع، في ظل انهيار النظام الصحي وتعقيدات قانونية ومجتمعية تعيق التعامل مع هذه القضايا.

 

دارفور على حافة المجاعة

 

وفي إقليم دارفور، تتفاقم المأساة الإنسانية مع تحذيرات متطوعين من توقف المطابخ الخيرية بسبب نقص التمويل وصعوبات الإمداد. وأكد منسقون ميدانيون وجود عشرات الآلاف من النازحين في معسكرات تفتقر إلى الغذاء والمياه والخدمات الطبية الأساسية، محذرين من مجاعة حادة تهدد حياة الآلاف.

 

ودعا المتطوعون المنظمات الدولية والإنسانية إلى التدخل العاجل، ودعم غرف الطوارئ والمطابخ الجماعية، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

 

انهيار معيشي واقتصادي

 

وعلى الصعيد الاقتصادي، تسود مخاوف من انهيار وشيك للوضع المعيشي، بعد قرار رفع الدولار الجمركي بنسبة تقارب 14%، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات. ويؤكد خبراء اقتصاديون أن هذه السياسات تزيد من معدلات التضخم وتضعف القدرة الشرائية للمواطنين، في وقتٍ فقد فيه الملايين مصادر دخلهم بسبب الحرب.

 

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن تكلفة المعيشة الشهرية لأسرة سودانية متوسطة باتت تقارب 750 دولارًا، وهو مبلغ يفوق قدرة الغالبية العظمى من السكان، وسط تضخم تجاوز 74%.

 

برد الشتاء يضاعف المعاناة

 

ومع حلول فصل الشتاء، يواجه ملايين النازحين أوضاعًا قاسية داخل خيام مهترئة أو منازل مدمرة، في ظل نقص حاد في الأغطية ووسائل التدفئة. وتنتشر أمراض مرتبطة بالبرد وسوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن، في وقتٍ تعجز فيه المنظمات الإنسانية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة.

 

أوبئة تحاصر النازحين

 

وفي تطور صحي خطير، أعلنت شبكة أطباء السودان رصد أكثر من 3 آلاف إصابة بالحصبة في ولايتي جنوب وغرب دارفور خلال الأشهر الماضية، محذرةً من تفشي الأوبئة بسبب تعذر وصول اللقاحات نتيجة القيود التي تفرضها قوات الدعم السريع.

 

وطالبت الشبكة بفتح مسارات إنسانية عاجلة، وضمان وصول آمن وغير مشروط للكوادر الطبية، محملةً قيادة الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن تعريض حياة المدنيين للخطر.