أعادت أرقام صادمة نُشرت مطلع عام 2026 تسليط الضوء على واحدة من أخطر الأزمات المهملة في مصر، بعدما كشفت تقارير حقوقية وطبية عن تسجيل ما يقارب 1.4 مليون ضحية لاعتداءات الكلاب الضالة خلال عام 2025 وحده. هذه الأرقام، التي تعكس حجم الكارثة الإنسانية والصحية، تطرح تساؤلات جدية حول غياب السياسات الفعالة لإدارة الظاهرة، في ظل تمدد الكلاب الضالة داخل المدن والقرى، وتحولها إلى تهديد يومي للمواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن.

 

انتشار واسع… وأرقام تكشف حجم الخطر

 

تشير البيانات المتداولة إلى أن مصر تشهد واحدًا من أعلى معدلات إصابات العقر الناتجة عن الكلاب الضالة في المنطقة. ويؤكد د. محمد سليم، نقيب الأطباء البيطريين السابق، أن تضخم أعداد الكلاب الضالة يعود إلى “سنوات من الإهمال المؤسسي، وغياب برامج التعقيم والتطعيم، والاعتماد على حلول أمنية أو حملات موسمية لا تعالج جذور المشكلة”.

 

ويضيف سليم أن التعامل مع الظاهرة بمنطق رد الفعل، عقب وقوع الحوادث فقط، أدى إلى انفجار الأعداد، محذرًا من أن استمرار هذا النهج يفاقم المخاطر الصحية، وعلى رأسها داء السعار، الذي لا يزال مرضًا قاتلًا في حال تأخر العلاج. ويؤكد أن الأرقام المعلنة لا تمثل سوى الحالات المسجلة رسميًا، بينما قد تكون الإصابات الفعلية أعلى من ذلك بكثير، خاصة في المناطق الريفية والعشوائية.

 

داء السعار… تهديد صحي صامت

 

من الناحية الطبية، لا تقتصر الأزمة على إصابات العقر فقط، بل تمتد إلى مخاطر وبائية حقيقية. ويوضح د. أحمد جمال، أستاذ الصحة العامة البيطرية بجامعة القاهرة، أن “الكلاب الضالة تمثل الخزان الرئيسي لفيروس السعار في مصر، ومع ارتفاع أعدادها، تزداد احتمالات انتقال المرض إلى البشر”.

 

ويشير جمال إلى أن علاج السعار بعد الإصابة مكلف ومعقد، ويتطلب توفير أمصال ولقاحات بشكل عاجل، وهو ما يضع عبئًا إضافيًا على منظومة صحية تعاني بالفعل من ضغوط كبيرة. كما يحذر من أن غياب التوعية المجتمعية يؤدي أحيانًا إلى تأخر المصابين في طلب العلاج، ما يرفع معدلات الوفاة.

 

ويؤكد أن الحلول العلمية معروفة عالميًا، وتتمثل في برامج “السيطرة الرحيمة” التي تعتمد على التطعيم والتعقيم والحد من التكاثر، بدلًا من الحملات العشوائية التي أثبتت فشلها في خفض الأعداد على المدى الطويل.

 

إدارة محلية غائبة وحلول مؤجلة

 

على مستوى الإدارة المحلية، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا. فبين تضارب الاختصاصات بين المحليات والطب البيطري، وغياب التمويل الكافي، تستمر الظاهرة دون خطة وطنية واضحة. وتقول د. منى مينا، الطبيبة والناشطة في قضايا الصحة العامة، إن “أزمة الكلاب الضالة تعكس نمطًا متكررًا من التعامل مع المشكلات الصحية في مصر، حيث يتم تجاهل الوقاية والتركيز فقط على إدارة النتائج”.

 

وتضيف مينا أن الضحايا غالبًا ما يتحملون عبء الأزمة وحدهم، سواء من حيث المعاناة الجسدية أو التكلفة النفسية والمادية للعلاج، في ظل غياب تعويضات واضحة أو دعم كافٍ. كما تؤكد أن التعامل الأمني أو حملات القتل لا تحل المشكلة، بل قد تزيدها سوءًا عبر تفريغ مناطق معينة، ما يسمح لكلاب أخرى بالانتقال إليها.

 

أبعاد اجتماعية ونفسية مهملة

 

إلى جانب المخاطر الصحية، تترك الأزمة آثارًا اجتماعية ونفسية عميقة، خاصة على الأطفال الذين يتعرضون لهجمات مفاجئة في الشوارع أو أمام المدارس. ويشير مختصون إلى أن الخوف من الكلاب الضالة أصبح جزءًا من الحياة اليومية في بعض المناطق، ما يحد من حركة المواطنين ويؤثر على الإحساس بالأمان في الفضاء العام.

 

ويرى خبراء أن غياب استراتيجية شاملة يشجع على تضارب المبادرات الفردية، بين من يطالب بالقتل الجماعي، ومن يدعو للحماية المطلقة، بينما يغيب الحل العلمي المتوازن الذي يضمن سلامة الإنسان والحيوان معًا.

 

في النهاية تكشف أرقام عام 2025 عن أزمة حقيقية تتجاوز كونها مشكلة عابرة، لتتحول إلى ملف صحي واجتماعي ملحّ. ويجمع الخبراء على أن استمرار الوضع الحالي ينذر بتفاقم المخاطر، ما لم يتم تبني خطة وطنية شاملة لإدارة الكلاب الضالة، تقوم على التطعيم، والتعقيم، والتوعية، وتحديد المسؤوليات بوضوح.

 

فبين مليون و400 ألف ضحية في عام واحد، وغياب حلول مستدامة، تبدو أزمة الكلاب الضالة في مصر اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية صحة مواطنيها، قبل أن تتحول الأرقام الصادمة إلى واقع أكثر قسوة في السنوات المقبلة.