تحوّل حلم امتلاك شقة سكنية لدى ملايين المصريين من هدف طبيعي لأي أسرة تسعى إلى الاستقرار، إلى كابوس يومي يطارد الطبقة المتوسطة ومحدودة الدخل على حد سواء.
فخلال سنوات قليلة، قفزت أسعار العقارات في مصر قفزات غير مسبوقة، وصلت في بعض المناطق إلى عشرات الأضعاف، دون أي مبرر حقيقي يتناسب مع مستويات الدخول أو الأوضاع الاقتصادية العامة.
وبينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن بفعل التضخم وتراجع قيمة الجنيه، يواصل القطاع العقاري مساره الصاعد، مدفوعًا باحتكار فعلي للسوق، وغياب شبه كامل لدور الدولة الرقابي، وتحول السكن من حق اجتماعي إلى سلعة استثمارية محضة.
احتكار السوق العقارية: حين تتحكم جهة واحدة في السعر والمصير
يرى خبراء ومتخصصون في الشأن العقاري أن التوسع الواسع للكيانات التابعة للمؤسسة العسكرية وشركاتها في تنفيذ وإدارة المشروعات السكنية الكبرى كان أحد أبرز الأسباب المباشرة لما تشهده السوق من اختلالات حادة. هذا التوسع لم يخلق منافسة حقيقية، بل أدى إلى احتكار فعلي للسوق، حيث أصبحت جهة واحدة تقريبًا هي اللاعب الأكبر والمحدد الرئيسي للأسعار وأنماط البناء.
وبحسب متعاملين في السوق، فإن هذا الاحتكار أضعف دور القطاع الخاص التقليدي، وأقصى صغار المطورين، وفرض تسعيرًا لا يخضع لقواعد العرض والطلب، ولا يأخذ في الاعتبار القدرة الشرائية للمواطن. فالأسعار باتت تُحدَّد وفق اعتبارات ربحية وسيادية، لا وفق احتياجات الإسكان الفعلية.
وتشير شهادات متعاملين إلى أن أغلب المشروعات الجديدة تُطرح باعتبارها “سكنًا استثماريًا”، وليس حلًا لأزمة السكن، مع التركيز على الفخامة والموقع والعائد الاستثماري، لا على توفير وحدات مناسبة للأسر المصرية. والأسوأ أن التسعير في كثير من الأحيان يتم ربطه بالدولار أو بتحركات سعر الصرف، ما يجعل المواطن أسيرًا لتقلبات العملة، رغم أن دخله بالجنيه ولا يتحرك بالوتيرة نفسها.
دخول جامدة وأسعار منفلتة: معادلة مستحيلة للمواطن
في المقابل، لم تشهد دخول المصريين أي زيادات حقيقية أو مستقرة تتناسب مع هذا الانفجار العقاري. فمتوسط سعر شقة متوسطة المساحة في مناطق كثيرة أصبح يعادل دخل موظف حكومي لعدة عقود متواصلة، ما يجعل فكرة الشراء شبه مستحيلة إلا عبر ديون طويلة الأجل أو دعم أسري واسع، وهو ما لا يتوفر لغالبية الشباب.
هذا الواقع دفع أعدادًا متزايدة من المواطنين إلى العزوف عن الشراء نهائيًا، أو اللجوء إلى مساكن بعيدة عن الخدمات، أو غير مكتملة التشطيب، أو في مناطق تفتقر إلى البنية الأساسية. كما أدى إلى تفاقم أزمة الإيجارات، التي شهدت بدورها ارتفاعات حادة نتيجة زيادة الطلب مقابل محدودية العرض.
ويحذّر اقتصاديون من أن استمرار هذا الوضع ينذر بأزمة اجتماعية عميقة، تتمثل في اتساع فجوة السكن، وتأخر سن الزواج، وتزايد الإحباط بين الشباب، وتحول الاستقرار الأسري إلى امتياز طبقي لا يتمتع به إلا القادرون ماليًا. فالسكن لم يعد مجرد مأوى، بل شرط أساسي لأي حياة مستقرة، ومع غيابه تتآكل فرص التنمية الاجتماعية من جذورها.
غياب السياسات الحكومية: ترك السوق للفوضى والمضاربة
تُوجَّه انتقادات متزايدة للحكومة بسبب غياب أي سياسات فعالة لضبط السوق العقارية، وترك الأسعار بلا رقابة حقيقية، في وقت يفترض فيه أن السكن حق دستوري لا سلعة للمضاربة. فبدلًا من التدخل لكبح جماح الأسعار، ركزت الدولة على مشروعات فاخرة ومدن جديدة لا تخدم إلا شريحة محدودة من القادرين، بينما تُركت الفئات الأكثر احتياجًا تواجه السوق وحدها.
ويرى مراقبون أن الدولة أسهمت بشكل غير مباشر في تعميق الأزمة عبر تسليع السكن، وتحويله إلى مخزن للقيمة في ظل تآكل العملة، ما شجّع على المضاربة واحتجاز الوحدات دون استخدام فعلي، في وقت تعاني فيه ملايين الأسر من أزمة سكن حقيقية.
ويؤكد هؤلاء أن حل الأزمة لا يمكن أن يتم دون كسر الاحتكار، وفتح السوق أمام منافسة حقيقية، وإعادة توجيه الاستثمارات نحو الإسكان المتوسط والاجتماعي، بدلًا من مشروعات الواجهة. كما يتطلب الأمر سياسات ضريبية ورقابية تمنع المضاربة وتحد من تخزين الوحدات السكنية بغرض الربح فقط.
حق السكن في مهب الريح
في ظل المعطيات الحالية، يبدو أن الحق في المسكن اللائق بات مهددًا بالتحول إلى امتياز طبقي، إذا استمرت السياسات نفسها دون مراجعة. فالأزمة لم تعد أزمة أسعار فقط، بل أزمة رؤية كاملة للتنمية العمرانية والاجتماعية، حيث يُدار القطاع العقاري بمنطق الربح السريع لا العدالة الاجتماعية.
وإذا لم يُعاد النظر في هذا المسار، فإن مصر مقبلة على واقع سكني أكثر قسوة، تتراكم فيه الوحدات المغلقة والاستثمارات الراكدة، مقابل ملايين المواطنين المحرومين من أبسط حقوقهم في الاستقرار. وحينها، لن يكون السؤال عن سعر الشقة، بل عن معنى العدالة الاجتماعية نفسها في بلد تحوّل فيه السكن من حق إلى سلعة نادرة.

