أثار الاستقبال الرسمي الذي حظي به أحمد عبد القادر المعروف بـ«ميدو»، والترويج له باعتباره “شابًا يمثل الشباب المصري بالخارج”، موجة واسعة من التساؤلات حول معايير الدولة في اختيار من تمنحهم شرعية التمثيل العام، ومن تُقصيهم أو تعاقبهم عندما يخرجون عن الخط السياسي المرسوم.
ففي لقاء رسمي مع وزير الشباب والرياضة أشرف صبحي، جرى تقديم ميدو بوصفه نموذجًا إيجابيًا للشباب المصري في الخارج، مع التأكيد على أن دوره يتمثل في تعزيز دمج الشباب المصري بالخارج، وتنظيم أنشطة رياضية وتثقيفية لهم، والترويج للدولة المصرية. خطاب واضح يعكس تبنّيًا رسميًا لدوره، ويمنحه غطاءً سياسيًا ومؤسسيًا.
المنشور الرسمي الصادر عن الوزارة لم يخفِ الهدف الحقيقي، حين شدد على أن هؤلاء الشباب يمثلون “حائط صد ضد الشائعات والأفكار المغلوطة”، وهي عبارة باتت تُستخدم ككود سياسي لتوصيف كل من يُطلب منه الدفاع عن خطاب الدولة في الخارج، لا تمثيل المجتمع المصري بتنوعه واختلافاته.
دعاية رسمية رغم الجدل: حين لا تكون السيرة محل اعتبار
اللافت أن هذا الاحتفاء الرسمي جاء رغم الجدل الواسع المرتبط بقضية أحمد عبد القادر ميدو في بريطانيا، حيث اتهمته تقارير خارج مصر بـالتهديد والبلطجة خلال احتجاجات أمام السفارة المصرية في لندن، وهي وقائع دفعت الشرطة البريطانية إلى فتح تحقيق رسمي.
ورغم حساسية هذه الاتهامات، لم تشكّل عائقًا أمام مؤسسات الدولة لتقديمه كنموذج شبابي، بل على العكس، جرى تجاهل هذه الخلفيات تمامًا، وكأن الملف الأخلاقي أو القانوني يصبح غير ذي صلة طالما أن الشخص يؤدي الدور المطلوب سياسيًا.
هذا النمط ليس جديدًا، بل يعكس سياسة راسخة تقوم على انتقاء الوجوه القادرة على خدمة الدعاية الخارجية، حتى لو كانت سيرتها مثيرة للجدل. فالمعيار الحاسم ليس النزاهة أو التمثيل الحقيقي للشباب، وإنما مدى الالتزام بترديد الرواية الرسمية والدفاع عنها في الخارج.
وفي هذا السياق، تتحول مفاهيم مثل “تمثيل الشباب” و“الترويج للدولة” إلى أدوات ضبط سياسي، لا مساحات مشاركة حقيقية. فالشباب الذين يُسمح لهم بالظهور هم أولئك الذين لا يشكلون أي تهديد للسرد الرسمي، بل يساهمون في إعادة إنتاجه.
أنس حبيب ونشطاء الخارج: وجه آخر للعقاب والإقصاء
في المقابل، تكشف مقارنة بسيطة مع حالات أخرى عن تناقض صارخ في المعاملة. فخلال السنوات الأخيرة، واجه نشطاء ومعارضون مصريون في الخارج إجراءات قسرية قاسية، شملت التضييق، والملاحقة المعنوية، بل وحتى إسقاط الجنسية.
في سبتمبر 2025، قررت السلطات المصرية إسقاط الجنسية عن ثلاثة مصريين عقب احتجاجهم أمام القنصلية المصرية في نيويورك. ورغم تبرير القرار قانونيًا بحصولهم على جنسية أخرى، إلا أن التوقيت والسياق السياسي أثارا جدلًا واسعًا حول ارتباط القرار مباشرة بنشاطهم الاحتجاجي.
أما الناشط أنس حبيب، فقد برز اسمه إعلاميًا بعد مشاركته في إغلاق أبواب السفارة المصرية في هولندا، في احتجاج علني على سياسات القاهرة. ورغم أن هذا الفعل يندرج ضمن أشكال الاحتجاج السياسي السلمي المعترف بها دوليًا، إلا أنه قوبل بخطاب رسمي وإعلامي يصوّره كتهديد أو خصم.
هذا التباين يطرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي يجعل شخصًا “شابًا وطنيًا” يستحق الاحتفاء، بينما يُعامل آخر باعتباره خطرًا على الدولة؟ الجواب لا يتعلق بالقانون، بل بالسياسة والولاء.
قراءة الخبراء: الدولة تختار من يخدم سرديتها
الدكتور محمد الببلاوي، أستاذ العلوم السياسية، يرى أن دعم الدولة لشخصيات مثل ميدو يعكس نزعة واضحة لبناء نموذج شبابي “مقبول رسميًا”، حتى لو كانت خلفياته مثار جدل. ويؤكد أن النظام يفضّل من يعززون صورته المؤسسية في الخارج، بينما يتم تهميش أو تجريم الأصوات التي تكشف تناقضاته.
من جهتها، تشير هالة شاهين، خبيرة حقوق الإنسان، إلى أن حالات إسقاط الجنسية أو التضييق على المعارضين تعكس اختيارات انتقائية تحدد من يُعترف به كمواطن “نافع” ومن يُعامل كخصم. وتؤكد أن هذه السياسات لا تستند إلى معايير حقوقية متسقة، بل إلى حسابات سياسية بحتة.
أما الدكتور عمرو فوزي، محلل الدراسات الدولية، فيرى أن النظام يستخدم أدوات السيطرة على السرد السياسي بوعي كامل، موضحًا أن الشباب الذين يتم الترويج لهم رسميًا غالبًا ما يكونون منسجمين تمامًا مع الخط السياسي للدولة، بينما يُقصى أو يُستهدف من يحاول كسر هذا السرد أو تقديم رواية بديلة.
في المحصلة، تكشف قضية أحمد عبد القادر ميدو، وما يقابلها من حالات مثل أنس حبيب ونشطاء نيويورك، عن سياسة دولة لا ترى في الشباب طاقة مستقلة أو شريكًا حقيقيًا، بل أداة: إما للترويج والدعاية، أو للإقصاء والعقاب.
هكذا، لا يصبح “تمثيل الشباب المصري بالخارج” حقًا عامًا، بل امتيازًا يُمنح وفق معايير الولاء. وبينما يُفتح الباب أمام من يخدمون الصورة الرسمية، يُغلق بعنف في وجه من يجرؤون على الاعتراض. وفي هذا التناقض، تتعرّى فكرة التمثيل نفسها، وتتحول من مساحة مشاركة… إلى أداة سيطرة.

