مع بدء الانتقال الفعلي للمؤسسات التنفيذية والتشريعية والمباني الحكومية إلى العاصمة الإدارية الجديدة، التي باتت تُعرف شعبيًا بـ«عاصمة الخراب»، تتكشف فصول جديدة من مخطط تفريغ القاهرة التاريخية من دورها، وتحويل قلبها النابض إلى سلعة معروضة للبيع.

 

فأنظار عصابة العسكر لم تتجه إلى وسط البلد من أجل تطويره لصالح المصريين، أو الحفاظ على تراثه العمراني الفريد، بل من أجل بيع المربعات الذهبية لعيال زايد والخليج، في إطار سياسة ممنهجة لتمكين رأس المال الأجنبي من السيطرة على مفاصل المدينة، وفرض هيمنته على مستقبل المصريين.

 

ورغم أن حكومة الانقلاب قررت الانتقال إلى مقرات جديدة بالعاصمة الإدارية مقابل قيمة إيجارية سنوية تصل إلى 6 مليارات جنيه، فإنها لم تطرح أي خطة وطنية جادة لاستغلال مباني وسط البلد، التي تُعد تحفًا معمارية وتاريخية قبل أن تكون مجرد مقرات إدارية. ما يحدث ليس فراغًا في التخطيط، بل تعمد واضح لخلق مبرر للبيع، وفتح الباب أمام صفقات مشبوهة تُفرغ القاهرة من مضمونها لصالح مستثمرين أجانب.

 

عوائد مجتمعية أم بيع نهائي؟ معركة الحفاظ على هوية وسط البلد

 

في مواجهة هذا المسار، يؤكد الدكتور أحمد الزيات، رئيس شعبة الهندسة المعمارية بالنقابة العامة للمهندسين، أن إعادة توظيف مباني الوزارات بوسط البلد بعد انتقالها إلى العاصمة الإدارية لا يجب أن تتم بمعزل عن السياق العمراني المحيط، مشددًا على ضرورة وجود تكامل حقيقي بين الاستخدامات الجديدة وطبيعة المنطقة، ضمن خطة شاملة ومدروسة.

 

وأوضح الزيات في تصريحات صحفية أن استغلال هذه المباني التراثية يتطلب رؤية عمرانية واقتصادية متكاملة تراعي احتياجات العمران القائم وتخدمه، بدلًا من فرض أنشطة دخيلة تفقد المكان هويته. وقال بوضوح: «لازم يكون فيه تكامل مع السياق العمراني المحيط، في إطار خطة اقتصادية واضحة تحقق عائدًا لهذه المباني التراثية».

 

وأشار إلى أن مفهوم العائد الاقتصادي لا يجب أن يُختزل في الأرباح السريعة، موضحًا أن العوائد المجتمعية لا تقل أهمية، بل قد تكون أكثر استدامة. فوسط البلد ليس قطعة أرض خالية، بل نسيج تاريخي واجتماعي حي، يمكن تحويله إلى متحف مفتوح يخدم الثقافة والسياحة والخدمات، بدلًا من حصر الاستثمار في أنشطة تجارية نخبوية.

 

وشدد الزيات على أن إعادة توظيف مباني الوزارات تمثل فرصة نادرة لتنمية عمرانية متوازنة تجمع بين الحفاظ على التراث وتحقيق عوائد اقتصادية ومجتمعية، ودعم التحول الرقمي، لكن بشرط وجود رؤية وطنية شاملة، لا صفقات معزولة ولا قرارات فوقية تُدار في الغرف المغلقة.

 

مشروعات سياحية أم غنائم عقارية؟ الاقتصاد في مواجهة النهب

 

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور علي الإدريسي أن نقل الوزارات إلى العاصمة الإدارية يفتح المجال أمام استغلال عدد ضخم من الأصول الحكومية، يمكن أن تتحول إلى مصادر دخل حقيقية إذا أُعيد توظيفها اقتصاديًا بشكل مدروس، بدلًا من تركها فريسة للبيع أو الإهمال.

 

وأكد الإدريسي أن أفضل سيناريو يتمثل في توجيه هذه المباني إلى أنشطة خدمية وسياحية، مثل الفنادق الصغيرة ذات الطابع التراثي، والمراكز الثقافية والفنية، والمطاعم والمقاهي التي تستفيد من الواجهات التاريخية، فضلًا عن مساحات العمل المشتركة والمكاتب التي تلبي احتياجات وسط المدينة.

 

وحذّر من أن ترك هذه الأصول دون استخدام واضح يحولها من فرصة اقتصادية إلى عبء صيانة وتدهور، ويفتح الباب أمام بيعها لاحقًا بحجة العجز أو التكلفة. وأشار إلى أن بعض المباني يمكن إدخالها في نموذج التطوير العقاري المختلط، عبر الجمع بين الاستخدام السكني والخدمي، أو تحويل القصور التاريخية إلى مقرات ضيافة أو مؤسسات تعليمية دولية، مع الحفاظ الكامل على طابعها المعماري.

 

دخل سنوي مستدام أم صفقة لمرة واحدة؟

 

وأكد الإدريسي أن العائد المتوقع من تشغيل هذه الأصول لا يقتصر على الإيجارات أو الأنشطة السياحية، بل يمتد إلى دخل تشغيلي طويل الأجل، وهو أكثر جدوى من بيع المباني وتحقيق عائد لمرة واحدة. كما يسهم ذلك في رفع قيمة الأراضي والعقارات المحيطة، وزيادة الحصيلة الضريبية المحلية.

 

وشدد على أن بيع القصور التاريخية يفقد دولة العسكر السيطرة على هذه الأصول، بينما يحقق تشغيلها دخلًا سنويًا متزايدًا، ويوفر فرص عمل، ويعزز القيمة السياحية للقاهرة، ويضمن استمرار الاستخدام بدلًا من التفكيك أو الإهمال.

 

وأضاف أن هذه المشروعات تنشط الاقتصاد المحلي عبر خلق فرص عمل مباشرة في السياحة والضيافة والإدارة والصيانة، وتحفيز الأنشطة المحيطة مثل المطاعم والخدمات والنقل، وجذب استثمارات محلية وأجنبية لمشروعات صغيرة ومتوسطة، ما ينعكس على زيادة الإيرادات غير التقليدية.

 

واعتبر الإدريسي أن أنجح نموذج اقتصادي هو نموذج متدرج يبدأ بتقييم وتصنيف المباني، ثم شراكات مدروسة مع شركات متخصصة، وتقديم حوافز تمويلية وضريبية مقابل الحفاظ على الواجهات التاريخية وخلق فرص عمل، وصولًا إلى تنشيط وسط البلد عبر تطوير الشوارع والمسارات السياحية والخدمات.

 

في النهاية، ما يجري في وسط البلد ليس مجرد نقاش تخطيطي، بل معركة على هوية القاهرة نفسها. إما مدينة تُدار بعقلية الحفاظ والتنمية المستدامة، أو غنيمة تُباع قطعة قطعة في مزاد مفتوح. وبينما تصر عصابة العسكر على منطق البيع السريع، يبقى السؤال: هل يُسمح بإنقاذ روح القاهرة قبل أن تُسلَّم مفاتيحها بالكامل؟