مع إعلان النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية، يتأكد مرة أخرى أن الحياة السياسية في مصر لا تتجه نحو التعدد أو التوازن، بل نحو مزيد من الانغلاق وترسيخ هيمنة السلطة التنفيذية. فمجلس النواب الجديد جاء بتركيبة تكاد تخلو من أي معارضة حقيقية، ما يجعله – عمليًا – امتدادًا سياسيًا لمؤسسة الرئاسة أكثر من كونه سلطة تشريعية مستقلة تمثل الشعب وتراقب الحكومة.

 

هذا الواقع يعيد إلى الأذهان تجربة البرلمانات السابقة منذ عام 2015، والتي لعبت دور “الممر الآمن” لتمرير قرارات السلطة، بدلًا من أن تكون ساحة نقاش ومحاسبة. والنتيجة المتوقعة ليست فقط إضعاف الدور الرقابي للبرلمان، بل تقويض ما تبقى من الحياة السياسية في البلاد.

 

أغلبية موالية… ومعارضة ديكورية

 

وفق النتائج الرسمية، تصدرت أحزاب مستقبل وطن، وحماة الوطن، والجبهة الوطنية المشهد البرلماني بحصة كبيرة من المقاعد، وهي أحزاب تُعرف على نطاق واسع بقربها الشديد من الأجهزة الرسمية ودعمها غير المشروط لسياسات الرئيس. أما بقية المقاعد فذهبت إلى مستقلين وأحزاب صغيرة، معظمها لا يخرج عن الخط العام للسلطة.

 

الأخطر من ذلك أن نظام القوائم المغلقة حُسم بالكامل لصالح “القائمة الوطنية من أجل مصر”، باعتبارها القائمة الوحيدة المنافسة، ما يعني أن الناخب لم يكن أمامه أي خيار حقيقي. وهكذا تحولت الانتخابات من استحقاق سياسي إلى إجراء شكلي يمنح الشرعية القانونية لنتيجة كانت معروفة مسبقًا.

 

في مثل هذا التكوين، لا يمكن الحديث بجدية عن توازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية. فالأغلبية البرلمانية لا ترى نفسها ممثلة للناس بقدر ما ترى نفسها جزءًا من منظومة الحكم، مهمتها الأساسية تمرير القوانين لا مناقشتها، وتبرير القرارات لا مساءلتها.

 

صلاحيات دستورية كبيرة… معطّلة سياسيًا

 

من حيث النصوص الدستورية، يمتلك البرلمان المصري سلطات واسعة: التشريع، الرقابة على الحكومة، سحب الثقة، مناقشة الموازنة، بل وحتى تعديل الدستور نفسه. لكن التجربة العملية خلال السنوات الماضية أثبتت أن هذه الصلاحيات تبقى حبرًا على ورق عندما تغيب الإرادة السياسية لاستخدامها.

 

برلمانات ما بعد 2013 مررت مئات القوانين خلال أيام قليلة، بعضها شديد الخطورة على الحقوق والحريات، مثل قوانين التظاهر والإعلام والجمعيات الأهلية، دون نقاش حقيقي أو استماع إلى المجتمع المدني. كما وافقت على اتفاقيات وسياسات اقتصادية مصيرية دون مراجعة جدية، بينما تحمّل المواطن نتائجها في شكل تضخم وغلاء وفقدان للخدمات.

 

ومع برلمان جديد أكثر ولاءً وأضعف تنوعًا، يبدو أن هذا النمط مرشح للاستمرار بل والتعمق. فبدلًا من أن يكون البرلمان مساحة لكشف الأخطاء وتصحيح المسار، يتحول إلى أداة لتجميل السياسات الرسمية ومنحها غطاءً قانونيًا.

 

برلمان لتأمين المستقبل السياسي للسيسي

 

تكمن خطورة البرلمان الحالي في توقيته السياسي. فهو يأتي في السنوات الأخيرة من الولاية الثالثة لعبد الفتاح السيسي، وهي الولاية التي يُفترض دستوريًا أن تكون الأخيرة. لكن التجربة السابقة مع تعديلات 2019 تفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ما إذا كان هذا النص سيصمد أمام إرادة السلطة.

 

برلمان موالٍ بهذه الدرجة يمكن أن يؤدي أدوارًا حاسمة في أي سيناريو سياسي قادم، مثل:

 

  • تمرير تعديل دستوري جديد يمدد بقاء الرئيس في الحكم
  • إعادة صياغة قواعد الترشح للرئاسة
  • تمرير تشريعات استثنائية توسع من صلاحيات الأجهزة الأمنية
  • توفير غطاء سياسي لقرارات اقتصادية قاسية دون معارضة

 

بهذا المعنى، لا يصبح البرلمان مجرد مؤسسة تشريعية، بل جزءًا من آلية إدارة السلطة واستمرارها، وأداة لضمان أن أي قرار رئاسي يجد طريقه إلى التنفيذ دون مقاومة تُذكر.

 

شرعية مهزوزة ومشاركة ضعيفة

 

زادت نسبة المشاركة المنخفضة – التي لم تتجاوز نحو 32% – من الشكوك حول شرعية البرلمان سياسيًا، حتى وإن كان مكتمل الأركان قانونيًا. فالعزوف الواسع عن التصويت يعكس فقدان ثقة عميق في العملية السياسية برمتها، وقناعة متزايدة لدى قطاع كبير من المصريين بأن الانتخابات لا تغيّر شيئًا في الواقع.

 

غياب المنافسة، وهيمنة القوائم المغلقة، وتكرار الحديث عن مخالفات انتخابية في عشرات الدوائر، كلها عوامل تجعل البرلمان الجديد يبدو في نظر كثيرين مؤسسة مفروضة من أعلى، لا نتاجًا لإرادة شعبية حقيقية.

 

وأخيرًا حين يتحول البرلمان من رقيب إلى تابع

 

مجلس النواب الجديد لا يمثل قطيعة مع الماضي، بل استمرارًا لمسار بدأ منذ سنوات: تفريغ السياسة من مضمونها، وتحويل المؤسسات المنتخبة إلى واجهات شكلية تمنح الشرعية لقرارات تُتخذ خارجها. في هذا السياق، يصبح البرلمان أداة لتثبيت الحكم لا لمساءلته، ومظلة لقرارات السيسي لا منصة لمحاسبته.

 

المشكلة لم تعد في الأشخاص فقط، بل في نموذج حكم كامل يقوم على تركيز السلطة، وتهميش الرقابة، وتزيين المشهد الديمقراطي بمؤسسات بلا روح. ومع استمرار هذا النموذج، يبقى السؤال مطروحًا بقوة:

 

هل يستطيع بلد بحجم مصر أن يبني مستقبلًا مستقرًا ببرلمان بلا معارضة، وسياسة بلا تنافس، وسلطة بلا محاسبة؟