تتجه إيران إلى واحدة من أكثر لحظاتها السياسية والأمنية توترًا منذ سنوات، بعدما فجّرت الاحتجاجات الأخيرة مشهدًا مركبًا تتداخل فيه الأزمة الاقتصادية الخانقة مع صراع سياسي داخلي وضغوط إقليمية ودولية متصاعدة.
حادثة الاحتجاجات، التي شهدتها عدة مدن إيرانية خلال الأيام الماضية، لم تعد مجرّد تحركات مطلبية معيشية، بل تحولت إلى اختبار مباشر لقدرة النظام على السيطرة واحتواء الغضب الشعبي دون الانزلاق إلى سيناريو فوضوي مفتوح.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وجّه اتهامات مباشرة لما وصفهم بـ«مسلحين على صلة بقوى أجنبية» بالوقوف وراء قتل أبرياء ومهاجمة الممتلكات العامة، معتبرًا أن ما يجري يتجاوز حدود الاحتجاج السلمي إلى مشروع تخريبي يستهدف زعزعة استقرار الدولة بعد حرب استمرت 12 يومًا.
وفي لهجة تجمع بين التهديد والاحتواء، أكد أن الحكومة «عازمة على حل المشكلات الاقتصادية» ومستمرة في «الاستماع إلى مطالب الشعب»، داعيًا المواطنين إلى النأي بأنفسهم عن ما وصفهم بـ«مثيري الشغب والإرهابيين».
اتهامات بالخارج وإجراءات أمنية مشددة
في موازاة خطاب بزشكيان، صعّد النظام الإيراني لهجته تجاه الخارج، متهمًا الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بإصدار أوامر مباشرة لإشعال الاضطرابات داخل البلاد.
هذا الاتهام لم يكن جديدًا في الخطاب الرسمي الإيراني، لكنه جاء هذه المرة في سياق أمني أكثر توترًا، مع سقوط 21 قتيلًا على الأقل وفق تقديرات أولية، ووقوع أعمال عنف شملت إحراق سيارات شرطة ومبانٍ حكومية.
أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني أكد أن السلطات ستتخذ «إجراءات حاسمة» بحق مرتكبي أعمال التخريب، مشددًا على أن الشرطة تعمل على السيطرة على الأوضاع «بأقل قدر ممكن من الأضرار».
واعتبر لاريجاني أن الأزمة الاقتصادية «لا تُحل عبر انعدام الأمن»، داعيًا السلطة القضائية إلى التعامل بحزم مع كل من يساهم في زعزعة الاستقرار.
خبراء الشأن الإيراني يرون أن هذا الخطاب يعكس إدراكًا رسميًا بأن الاحتجاجات لم تعد هامشية، وأن أي تساهل أمني قد يُفسَّر كضعف، في وقت تخشى فيه السلطة من تكرار سيناريوهات سابقة تحولت فيها المطالب المعيشية إلى حراك سياسي واسع يصعب احتواؤه.
اقتصاد منهك وشارع يغلي
التحليلات تُجمع على أن جذور الاحتجاجات تعود بالأساس إلى الأزمة الاقتصادية العميقة، وعلى رأسها الانهيار المتواصل في قيمة الريال الإيراني، وارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة، إلى جانب إغلاق أسواق تجارية في طهران ومدن أخرى.
العقوبات الأمريكية، خصوصًا على صادرات النفط، فاقمت من حدة الأزمة، ودفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى حافة الغضب.
إلى جانب البُعد الاقتصادي، برزت مطالب سياسية واضحة في بعض المظاهرات، شملت هتافات ضد النظام، مع ظهور دعم من أطراف معارضة متعددة، من بينها أحزاب كردية مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني، إضافة إلى التيار الملكي المؤيد للأمير رضا بهلوي.
هذا التداخل بين الاقتصادي والسياسي جعل المشهد أكثر تعقيدًا، ورفع منسوب القلق داخل دوائر الحكم.
الإعلام الرسمي الإيراني سارع إلى اتهام الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وتنظيم «مجاهدي خلق» بالوقوف وراء الاحتجاجات، في محاولة لإضفاء طابع أمني وسياسي خارجي على الأزمة.
في المقابل، أشارت تقارير صحفية غربية، بينها نيويورك تايمز وBBC، إلى احتمال وجود دعم خارجي غير مباشر لبعض قوى المعارضة، دون الجزم بحجمه أو تأثيره الفعلي.
خبراء يرون أن نقل الاحتجاجات من الإطار الاقتصادي إلى السياسي يُنذر بتوسيع رقعتها، خاصة مع انضمام فئات جديدة مثل عمال النفط، المتقاعدين، والطلاب، ما يشير إلى تحولها من موجة غضب موضعية إلى حراك وطني أوسع.
تصعيد دولي وخيارات عسكرية على الطاولة
التطور الأخطر تمثل في الموقف الأمريكي. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرّح بأن الولايات المتحدة «تراقب عن كثب ما يجري في إيران»، معتبرًا أن طهران «تعيش مشكلة كبيرة».
وذهب أبعد من ذلك حين حذّر من أن إطلاق النار على المتظاهرين سيقابل بـ«رد بإطلاق النار»، في تهديد غير مسبوق يعكس تصاعد التوتر.
وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، فيما يُعرف بـ«الترويكا الأوروبية»، أصدروا بيانًا مشتركًا أدانوا فيه بشدة قتل المتظاهرين، واستخدام العنف ضد المدنيين المشاركين في الاحتجاجات.
وفي تطور بالغ الخطورة، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين مطلعين أن ترامب تلقى إحاطات حول خيارات عسكرية جديدة ضد إيران، ردًا على ما وصفه بـ«حملة قمع المتظاهرين».
وأكدت الصحيفة أن ترامب لم يتخذ قرارًا نهائيًا بعد، لكنه يدرس بجدية توجيه ضربات، قد تشمل مواقع غير عسكرية في طهران.
كما أشار تقرير لموقع الشرق نقلًا عن بلومبيرج إلى أن بعض الخيارات المطروحة تتعلق باستهداف عناصر في الأجهزة الأمنية الإيرانية المتهمة باستخدام العنف ضد المحتجين.
خبراء العلاقات الدولية يحذرون من أن أي ضربة عسكرية، حتى لو كانت محدودة، قد تدفع إيران إلى رد إقليمي واسع، وتحوّل الاحتجاجات الداخلية إلى جزء من مواجهة خارجية أكبر.
في المحصلة، تواجه إيران تحديًا مزدوجًا: احتواء الغضب الشعبي الناتج عن اقتصاد منهك، ومنع تحوّله إلى أزمة سياسية شاملة، في ظل ضغوط دولية وتهديدات عسكرية متصاعدة.
المشهد مفتوح على كل الاحتمالات، من تسويات داخلية محدودة، إلى تصعيد أمني، أو حتى انفجار إقليمي، بينما يبقى السؤال الأكبر: هل يملك النظام الإيراني هامش المناورة الكافي لعبور هذه المرحلة دون كلفة باهظة؟

