صعّد عمال مصنع سكر دشنا بمحافظة قنا، اليوم الاثنين، تحركاتهم الاحتجاجية بشكل لافت، في خطوة تعكس حجم الغضب المتراكم داخل مصانع شركة السكر والصناعات التكاملية. العمال منعوا شاحنات السكر من دخول المصنع، ورفضوا كذلك دخول رئيس قطاعات مصانع سكر دشنا حميد أحمد محمد، في مشهد يؤكد انتقال الاحتجاجات من الاعتصام الرمزي إلى الضغط المباشر على حركة الإنتاج.
هذه الخطوة جاءت بالتزامن مع استمرار اعتصام عمال مصانع سكر إدفو ونجع حمادي بقنا، إلى جانب عمال مجمع سكر الحوامدية بالجيزة، في مؤشر واضح على اتساع رقعة الاحتجاجات وتحوّلها إلى تحرك عمالي منسق على مستوى عدة محافظات، وليس مجرد حالة غضب محلية عابرة.
إغلاق البوابات ومواجهة الشاحنات: تصعيد غير مسبوق
بحسب شهادات عمالية، تجمع عمال سكر دشنا منذ السابعة صباحًا خلف بوابات المصنع من الداخل، ومنعوا مرور الشاحنات المحملة بالسكر. وعندما حاول رئيس قطاعات السكر التدخل لاحتواء الموقف، قوبل بالرفض ومنعه العمال من الدخول، في رسالة مباشرة مفادها أن الأزمة لم تعد قابلة للاحتواء بالوعود أو الاجتماعات المغلقة.
ورغم محاولة الشاحنات الدخول عبر بوابات جانبية أخرى، فإن العمال تصدوا لها عند الميزان أثناء مرحلة “الوزن فارغ”، وأجبروها على العودة، ما يعني شلًّا شبه كامل لحركة النقل داخل المصنع. خبراء في شؤون العمل يرون أن هذا النوع من التصعيد يعكس يأسًا عميقًا لدى العمال، ويؤشر إلى فقدان الثقة الكاملة في قدرة الإدارة على الاستجابة لمطالبهم.
ويؤكد خبير علاقات العمل كمال عباس أن منع دخول الشاحنات يُعد «أداة ضغط قصوى يلجأ إليها العمال عندما يشعرون أن كل القنوات التفاوضية أُغلقت»، محذرًا من أن تجاهل هذا التصعيد قد يدفع إلى انفجار أوسع مع بدء موسم الإنتاج.
احتجاجات قبل موسم الإنتاج: ورقة ضغط حاسمة
تكتسب الاحتجاجات الحالية أهمية استثنائية، لأنها تتزامن مع اقتراب موسم الإنتاج، الذي يبدأ عادة في النصف الثاني من يناير. أحد العمال لخّص الموقف بوضوح: “دي فرصتنا علشان نرجع حقوقنا الضايعة… إحنا بنشتغل وننتج، ولادنا من حقهم يعيشوا، مرتب 6 آلاف جنيه بعد 20 سنة شغل ما بقاش يكفي أكل”.
خبراء اقتصاد العمل يشيرون إلى أن توقيت الاحتجاجات ليس مصادفة، بل يعكس وعيًا عماليًا بأن توقف الإنتاج في هذه المرحلة الحساسة يضع الإدارة ووزارة التموين تحت ضغط مباشر، خاصة أن السكر سلعة استراتيجية لا تحتمل اضطرابات طويلة في الإمداد.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار أن “الدولة تتعامل مع مصانع السكر باعتبارها شريانًا حيويًا للأمن الغذائي، لكن المفارقة أن العمال أنفسهم يعيشون تحت خط الأمان المعيشي”، معتبرًا أن الأزمة الحالية نتاج سنوات من تجاهل هيكلي لأوضاع الأجور.
أرباح بالمليارات… ورواتب مجمدة منذ 2014
الاحتجاجات انفجرت على خلفية أرقام صادمة. فقد حققت شركة السكر والصناعات التكاملية إيرادات بلغت 44 مليار جنيه في عام 2025، مقارنة بـ33 مليار جنيه في 2024، مع توقعات رسمية بوصول الإيرادات إلى 50 مليار جنيه العام المقبل، وفق تصريحات الرئيس التنفيذي للشركة صلاح فتحي.
ورغم ذلك، يؤكد العمال أن رواتبهم شبه مجمدة منذ عام 2014، وأن عددًا كبيرًا منهم لم يصل حتى الآن إلى الحد الأدنى للأجور البالغ 7 آلاف جنيه. عامل آخر أوضح أن “فروق الأسعار في بيع السكر تُحمل على العمال”، مشيرًا إلى أن وزارة التموين تحصل على كيلو السكر من المصانع بسعر 12 جنيهًا، بينما يباع في السوق بما بين 30 و35 جنيهًا.
خبير السياسات الاقتصادية وائل جمال يرى أن هذه الفجوة السعرية “تمثل استنزافًا مباشرًا لأرباح المصانع، وتُستخدم ذريعة لحرمان العمال من حقوقهم”، معتبرًا أن تحميل العمال كلفة دعم سلعة استراتيجية يُعد خللًا فادحًا في توزيع الأعباء.
الخصخصة كفزاعة والوعود المؤجلة
توتر العلاقة بين الإدارة والعمال ليس جديدًا. ففي سبتمبر الماضي، التقى رؤساء اللجان النقابية برئيس الشركة القابضة للصناعات الغذائية أيمن إسماعيل، الذي هاجمهم ورفض مناقشة مطالبهم، ملوّحًا بخصخصة المصانع، في خطاب اعتبره العمال تهديدًا مباشرًا لأرزاقهم.
ويؤكد الخبير النقابي دار الخدمات النقابية أن “استخدام فزاعة الخصخصة أصبح أداة لإسكات المطالب المشروعة”، محذرًا من أن استمرار هذا النهج سيدفع العمال إلى تصعيد أوسع يصعب السيطرة عليه.
ورغم إعلان الشركة عقد الجمعية العمومية خلال أيام، وتردد أنباء عن صرف أرباح بواقع 42 شهرًا، يرفض العمال ذلك، متمسكين برفعها إلى 60 شهرًا وتنفيذ بقية مطالبهم، التي تشمل تطبيق الحد الأدنى للأجور بأثر رجعي، وزيادة الحوافز والبدلات، وتثبيت العمالة المؤقتة، وتحسين الرعاية الصحية لأسر العاملين.
في ظل هذا المشهد، يرى خبراء أن ما يحدث في دشنا وإدفو ونجع حمادي والحوامدية ليس مجرد نزاع عمالي تقليدي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة ملف الصناعات الاستراتيجية بعدالة اجتماعية. فإما استجابة جادة تعيد التوازن بين الأرباح وحقوق العمال، أو تصعيد مفتوح قد يمتد أثره إلى الأمن الغذائي نفسه.

