تتجه الولايات المتحدة إلى واحدة من أخطر لحظات الصدام بين السلطة السياسية والمؤسسات المستقلة، في مشهد يرى خبراء أنه يعكس انزلاقًا مقلقًا نحو نمط حكم سلطوي يضرب جوهر النظام الديمقراطي الأمريكي.

 

فقد فجّرت تسريبات متداولة على منصّات التواصل الاجتماعي أزمة حادة بين إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعد معلومات عن تهديدات صادرة من وزارة العدل الأمريكية بحق رئيس الفيدرالي جيروم باول، في خطوة اعتبرها خبراء ابتزازًا سياسيًا سافرًا يستهدف كسر استقلال السياسة النقدية.

 

وتأتي هذه التطورات في سياق ضغوط متزايدة مارسها ترامب خلال فترته الرئاسية لفرض خفض أسعار الفائدة، بما يخدم أجندته السياسية والانتخابية، على حساب القواعد المؤسسية التي حكمت الاقتصاد الأمريكي لعقود.

 

تهديد قضائي أم ضغط سياسي منظم؟

 

تشير المعطيات المتداولة إلى أن وزارة العدل الأمريكية، وبإيعاز مباشر من ترامب، لوّحت بتوجيه اتهامات جنائية ضد جيروم باول، على خلفية تجديد مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

 

خبراء في القانون الدستوري الأمريكي يرون أن هذه الخطوة، إن صحت، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي، معتبرين أن الاتهامات تمثل أداة ضغط لا علاقة لها بالمساءلة القانونية بقدر ما تهدف إلى إجبار رئيس الفيدرالي على الاستجابة لطلب خفض سعر الفائدة.

 

ويؤكد مختصون في الاقتصاد الكلي أن استقلال البنوك المركزية في الدول المتقدمة ليس ترفًا مؤسسيًا، بل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي. فالفصل بين القرار النقدي والسلطة التنفيذية هو ما يمنع الحكومات من استخدام السياسة النقدية لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل على حساب التضخم والاستقرار المالي.

 

في هذا السياق، يرى خبراء أن إدخال وزارة العدل على خط الصراع مع الفيدرالي يمثل سابقة خطيرة، إذ يحوّل أدوات إنفاذ القانون إلى وسيلة ابتزاز سياسي، ويقوّض الثقة في حياد المؤسسات.

 

استقلال البنوك المركزية على المحك

 

يُجمع خبراء الاقتصاد على أن البنوك المركزية في الدول المتقدمة تعمل باستقلال شبه كامل عن الحكومات، وتتخذ قراراتها بعيدًا عن الضغط السياسي، لضمان استقرار العملة والأسواق. هذا المبدأ شكّل أحد الفوارق الجوهرية بين الأنظمة الديمقراطية المستقرة وأنظمة الحكم السلطوي.

 

غير أن سلوك ترامب، بحسب التحليل السائد، كسر هذا التقليد الراسخ. فمحاولاته المتكررة لإخضاع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لرغباته السياسية، سواء عبر الهجوم العلني أو الضغط غير المباشر، وضعت النظام الأمريكي أمام اختبار غير مسبوق.

 

الدكتور مراد علي اعتبر أن ما يجري يعكس تحوّلًا خطيرًا في بنية الحكم، مشيرًا إلى أن استخدام القضاء كوسيلة ضغط على مؤسسة نقدية مستقلة يشبه ممارسات أنظمة اعتادت تسييس كل مفاصل الدولة.

ويرى أن إخضاع الفيدرالي يعني عمليًا كسر آخر خطوط الدفاع المؤسسية أمام النزعة الفردية في الحكم.

 

 

ويضيف خبراء أن خفض الفائدة تحت ضغط سياسي لا يخدم الاقتصاد على المدى الطويل، بل يفتح الباب أمام فقاعات مالية وتضخم جامح، ويفقد الأسواق ثقتها في مصداقية السياسة النقدية الأمريكية.

 

هل يهدم ترامب النظام السياسي الأمريكي؟

 

تذهب تحليلات عديدة إلى أن ما يجري يتجاوز خلافًا تقنيًا حول أسعار الفائدة، ليصل إلى صلب النظام السياسي الأمريكي. فمحاولة إخضاع مؤسسة بحجم الاحتياطي الفيدرالي، ثم معاقبة رئيسها عند رفضه، تعني عمليًا تقويض مبدأ الفصل بين السلطات، الذي يقوم عليه الدستور الأمريكي.

 

ويرى خبراء في العلوم السياسية أن هذا المسار يعكس عقلية حكم فردي، تسعى لإخضاع كل المؤسسات لإرادة شخص واحد، وهو نمط حكم لطالما انتقدته واشنطن عند دول أخرى. ويشير هؤلاء إلى أن خطورة ما يحدث تكمن في كونه يصدر من دولة تُقدَّم بوصفها نموذجًا ديمقراطيًا عالميًا.

 

ويؤكد مختصون أن استمرار هذا النهج يهدد بتحويل الولايات المتحدة إلى نظام تُدار فيه المؤسسات بعقلية الولاء لا الكفاءة، والضغط لا القانون، ما يفتح الباب أمام أزمات أعمق في المستقبل، سواء على مستوى الاقتصاد أو الثقة الشعبية في الدولة.

 

وفي ظل هذه التطورات، يرى خبراء أن الصراع بين ترامب والفيدرالي ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشر على أزمة بنيوية أوسع داخل النظام السياسي الأمريكي، قد تمتد آثارها إلى الداخل والخارج معًا، وتعيد طرح سؤال جوهري: إلى أي مدى يمكن للديمقراطية الأمريكية أن تصمد أمام نزعات السلطة المطلقة؟