أعاد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ملف جرينلاند إلى واجهة التوتر بين واشنطن وأوروبا، بعدما هدّد بفرض رسوم جمركية على من يعارضون خططه لضم الجزيرة ذات الحكم الذاتي الواسع، والتابعة رسميًا لمملكة الدنمارك.
وبين تصريحات تصعيدية من مبعوثه الخاص، وحشود تظاهرية في شوارع كوبنهاغن ومدن جرينلاند، وتحركات عسكرية لقوى من حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الجزيرة القطبية، يبدو أن النزاع لم يعد مجرد “فكرة شراء” مثيرة للسخرية كما حدث عام 2019، بل مشروع ضغط حقيقي يختبر حدود السيادة الدنماركية وقدرة الحلف على التماسك في مواجهة أجندة ترامب التوسعية.
تهديدات اقتصادية ورسائل ضم صريحة من مبعوث ترامب
في خطوة اعتُبرت تصعيدًا مباشرًا، هدّد ترامب يوم الجمعة بفرض رسوم جمركية على كل من يعارض خططه لضم جرينلاند إلى الولايات المتحدة، في لهجة تذكّر بحروبه التجارية السابقة مع حلفاء واشنطن قبل سنوات، لكنها هذه المرة تستهدف حليفًا صغيرًا نسبيًا بحجم دنمارك وجرينلاند، عبر الضغط على اقتصاد أوروبي أوسع.
وبالتزامن، خرج جيف لاندري، المبعوث الخاص لترامب إلى غرينلاند، بتصريحات حاسمة مفادها أن “اتفاق ضم الجزيرة يجب وسيتم التوصل إليه خلال هذه الزيارة”، مؤكّدًا أن الرئيس “جاد” في ضم هذه المنطقة التي تتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك.
هذه اللغة تُظهر أن ما يجري يتجاوز مجرد اختبار سياسي، إلى محاولة فرض أمر واقع تفاوضي تحت تهديد الرسوم.
روايات صحفية أميركية ويسارية، من بينها محتوى نشره حساب مجلة Jacobin، سلّطت الضوء على تهديد ترامب باستخدام التعرفة كسلاح سياسي جديد ضد الأوروبيين إذا تمسّكوا برفضهم لمشروعه التوسعي في القطب الشمالي.
Rallies across Denmark and Greenland today with a simple message to Donald Trump: “Hands off Greenland.” pic.twitter.com/iuengI1uSQ
— Jacobin (@jacobin) January 17, 2026
هذا الخطاب يعيد إلى الأذهان مفهوم “دبلوماسية البلطجة الاقتصادية”، حيث تتحول الرسوم الجمركية من أداة لحماية الصناعات الأميركية إلى عصا غليظة لإجبار الحلفاء على الانصياع لمشاريع جيوسياسية تمس بسيادتهم المباشرة.
الشارع الدنماركي والجرينلاندي يردّ: هذه معركة من أجل تقرير المصير
في مواجهة هذا التصعيد الأميركي، انطلقت السبت سلسلة من التظاهرات في أنحاء الدنمارك وجرينلاند احتجاجًا على ترامب وخططه للسيطرة على الجزيرة. آلاف المحتجين خرجوا في العاصمة كوبنهاغن، وفق فيديوهات وتقارير بثتها منابر متابعة للأحداث الدولية.
WATCH: Greenland’s PM Jens-Frederik Nielsen marches with protesters at anti-Trump rally
— Rapid Report (@RapidReport2025) January 17, 2026
‘Greenland is not for sale’ https://t.co/8OeZicP8Vp pic.twitter.com/WVjfqCwJUt
اللافت أن هذه الاحتجاجات تزامنت مع زيارة وفد أميركي من مشرّعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى كوبنهاغن، للقاء مسؤولين دنماركيين وغرينلانديين، في محاولة لتمهيد الطريق سياسيًا أمام مشروع الضم أو على الأقل اختبار ردود الفعل المباشرة.
منظمة "أواغوت" (Uagut)، وهي منظمة غرينلاندية تنشط في الدنمارك، أوضحت على موقعها أن الهدف من احتجاجات السبت هو “توجيه رسالة واضحة وموحدة تُعبّر عن احترام ديمقراطية غرينلاند وحقوق الإنسان الأساسية”، في إشارة إلى أن معركة السيادة ليست تقنية أو قانونية فقط، بل مرتبطة بهوية شعب بأكمله.
من جهته، قال بول يوهانسن، ممثل مبادرة المواطنين “أوقفوا التدخل في غرينلاند”، إنه “في هذه الظروف، من المهم أن نظهر جبهة موحدة ونتعاون على نطاق واسع”، مضيفًا: “نطالب باحترام حق غرينلاند في تقرير مصيرها واحترام شعبها. هذه ليست معركة من أجل غرينلاند فحسب، بل من أجل العالم أجمع”، كما نقلت صحيفة الغارديان البريطانية.
بهذا الخطاب، يحاول النشطاء تحويل قضية غرينلاند من نزاع ثنائي بين واشنطن وكوبنهاغن إلى قضية مبدئية عالمية تتعلق بحق الشعوب الأصلية في تقرير مصيرها، ورفض منطق “شراء الأراضي” أو ابتزاز الحلفاء اقتصاديًا لانتزاع مناطق ذات موقع استراتيجي وثروات محتملة.
جرينلاند ساحة ناتو بامتياز.. وأميركا تريد الكلمة العليا
التحركات الأميركية لم تمر دون رد فعل أوروبي–أطلسي. ففي وقت سابق من الأسبوع، نشرت عدة دول حليفة في حلف شمال الأطلسي – بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا والنرويج والسويد – قوات في الجزيرة القطبية الشمالية. هذا الانتشار لا يحمل طابعًا هجوميًا، لكنه رسالة واضحة بأن غرينلاند تُعامل كجزء من منظومة الدفاع المشترك للحلف.
رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن صرّحت بأن الدفاع عن غرينلاند “شأن مشترك لحلف الناتو بأكمله”، في تذكير بأن أي محاولة لتغيير وضع الجزيرة أو فرض ترتيبات جديدة بالقوة الاقتصادية أو العسكرية، لن تُقرأ كخلاف ثنائي فحسب، بل كاختبار لوحدة الحلف وقدرته على حماية أعضائه الأصغر من ضغوط شريكه الأميركي الأكبر.
في الخلفية، يَبرز بُعد استراتيجي أعمق: جرينلاند ليست مجرد جزيرة باردة ذات حكم ذاتي، بل بوابة إلى الممرات البحرية القطبية وثروات محتملة من المعادن النادرة والموارد الطبيعية، إلى جانب موقع بالغ الأهمية للرادارات وقواعد الإنذار المبكر في مواجهة روسيا والصين.
من هنا، يرى مراقبون أن واشنطن – خاصة في ظل عقلية “الصفقات الكبرى” التي يمثلها ترامب – تريد تعزيز نفوذها المباشر في الجزيرة، بدل الاعتماد على ترتيبات دفاعية عبر الدنمارك فقط.
في المقابل، تبدو كوبنهاغن عالقة بين شراكة أمنية حيوية مع الولايات المتحدة من جهة، وحساسية شعبية وسياسية عالية تجاه أي مساس بسيادة غرينلاند من جهة أخرى، ما يجعل إدارة الأزمة دقيقة للغاية: رفضٌ واضح لخطط الضم والتهديد بالرسوم، لكن دون كسر الجسور مع واشنطن أو تفجير خلاف مفتوح داخل حلف الناتو.
في المحصلة، ما بدأ بتصريحات ترامب عن ضم غرينلاند تحوّل إلى اختبار مركّب: لمدى احترام واشنطن لسيادة حلفائها، لقدرة شعوب صغيرة على الدفاع عن حقها في تقرير المصير، ولتماسك الناتو في زمن تعود فيه لغة “الشراء والابتزاز الاقتصادي” إلى الساحة الدولية.
وبينما يهتف المتظاهرون في كوبنهاغن ومدينة نوك عاصمة جرينلاند ضد “التدخل الأميركي”، يبدو أن الجزيرة القطبية البعيدة باتت فجأة في قلب خريطة الصراع الجيوسياسي العالمي.

