أثارت الصورة التي نُشرت لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي أثناء صلاة الفجر في مسجد "مصر" بالعاصمة الإدارية عاصفة جديدة من الجدل، تجاوزت النقاش الفقهي حول التباعد بين المصلين، إلى مساءلة أعمق لطبيعة شخصية الحاكم وطريقة تعامله مع فكرة الوقوف في صف واحد مع الناس.

 

فالكاتبة الصحفية شيرين عرفة رأت في اللقطة تجسيدًا لاستعلاء فرد يريد أن يميّز نفسه عن بقية المصلين، بينما ذهب آخرون إلى وصف ما يحدث بأنه عرض واضح لمتلازمة "غرور السلطة"، أو حتى تعبير عن انفصال ديني ونفسي عن عمق معنى الصلاة والجماعة، في مشهد تلخّص فيه علاقة النظام بالمجتمع والدين والشرعية.

 

مشهد صلاة يكشف الاستعلاء لا «إجراءات احترازية»

 

شيرين عرفة لخصت زاوية النظر الأولى إلى الصورة؛ فبعد أن ذكّرت بأن فترة كورونا انتهت، وأن حجة التباعد الصحي لم تعد قائمة، لفتت الانتباه إلى أن ما نراه ليس تباعدًا عامًا في الصفوف، بل حاكمًا يقف بعيدًا عن من على يمينه ويساره، يصلي على سجادة مختلفة اللون، وبجواره مناديل وزجاجة مياه، في ما يشبه مقعدًا خاصًا في نادٍ مغلق، لا مقام خشوع بين يدي الله. تسأل عرفة عن الحكم الشرعي لهذا المشهد، داعية علماء الدين إلى أن يجيبوا بوضوح، بدل صمت المؤسسة الرسمية أمام هذا "الاستثناء" الذي يُفرِّغ معاني المساواة في الصف من مضمونها.

 

هذا السؤال الفقهي التقطه أيضًا حسابات أخرى تساءلت بصراحة: لماذا يخاف السيسي من التزام الصف؟ وما التفسير الأمني أو الفقهي أو حتى النفسي لتصميم واضح على كسر أبسط صور المساواة بين المصلين؟ فبدل أن تكون الصلاة رمزًا لوحدة المسلمين، تحوّلت – وفق هؤلاء – إلى "مشهد سينمائي" يتم فيه بناء الصورة بعناية، حتى لو تعارضت مع أبسط تفاصيل السنة النبوية.

 

 

قراءة نفسية: متلازمة غرور السلطة وفق خبراء

 

من زاوية أخرى، قدّم الطبيب والخبير الصحي د. مصطفى جاويش تفسيرًا نفسيًا مباشرًا لما يجري، معتبرًا أن ما نراه تجلٍّ واضح لما يُعرف بمتلازمة "غرور السلطة" Hubris Syndrome، وهو نفس المصطلح الذي استحضره من قبل أستاذ الطب النفسي الشهير د. أحمد عكاشة لوصف حكام يستبدّ بهم الشعور بالتفوّق والعصمة عن الخطأ مع طول البقاء في السلطة. فالحاكم المصاب بهذه المتلازمة لا يرى نفسه فردًا بين الناس، بل كيانًا استثنائيًا، يحق له ما لا يحق لغيره، حتى في بيت الله وصفوف الصلاة.

 

 

هذا البعد النفسي توسّع فيه ناشطون آخرون؛ فالمغرِّد "سنيور" اعتبر أن السلوك نابع من شعور عميق بالنقص يدفع صاحبه للعيش داخل "فقاعة" أو "كبسولة" معقمة أمنيًا واجتماعيًا، يخاف فيها من العفوية والاحتكاك الطبيعي بالناس، فيُحوّل كل لحظة إلى لقطة مصمَّمة مسبقًا، تقتل المعنى الإنساني والديني للموقف. وبحسب هذا التفسير، فإن التباعد ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل علامة مرض في فهم الذات والسلطة والدين معًا.
 

 

تساؤلات عن التدين وصمت المؤسسة الدينية وتراكم الخبرة الشعبية

 

حدة الغضب دفعت بعض الناشطين إلى الذهاب أبعد من انتقاد السلوك، إلى التشكيك أصلًا في انتماء السيسي إلى جماعة المسلمين، كما فعلت الناشطة نسرين نعيم التي قالت إن من لا يعرف هيئة صلاة المسلمين طبيعي أن يؤديها بهذه الطريقة. بينما رأت مغردة أخرى مثل سعاد ذكي أن ما يفعله يشبه طريقة صلاة أتباع ديانات أخرى، في مقارنة تعكس شعورًا عميقًا بأن المشهد لا يمت لروح الصلاة الإسلامية بصلة، بقدر ما يعيد إنتاج "طقس بروتوكولي" شكلي فاقد للمعنى.

 

 

في السياق نفسه، دعا المفكر د. عز الدين محمود في تغريدة حادة إلى أن ينزل على السيسي ومن حوله خوف من السماء، وهاجم ما وصفه بـ"الإبراهيمية الماسونية" التي ارتضاها النظام طريقًا، في إشارة إلى مشروعات خلط الأديان وتذويب خصوصيتها لصالح سردية سياسية فوقية. هذه اللغة القاسية تعكس كيف باتت مشاهد الصلاة الرسمية تُقرأ لدى قطاع واسع من المعارضين بوصفها جزءًا من "دين سلطة" لا علاقة له بالإسلام الذي يعرفه الناس في مساجد الأحياء والقرى.
 

 

أما فارس، فركّز على صمت المؤسسة الدينية الرسمية؛ فبرأيه، من المفترض أن يكون في افتتاح مسجد بهذا الحجم علماء الأزهر وكبار قراء القرآن، وأن يكونوا أول من يصحح أي مخالفة لهيئة الصلاة، لكن المناخ السياسي جعل الجميع يخشى التعليق، لأن ثمن كلمة حق واحدة قد يكون الإقصاء أو التشهير أو السجن. وهكذا يتحول المسجد إلى ديكور في مشهد سياسي، بدل أن يكون بيتًا لله يقف فيه الجميع سواسية.
 

 

لافت أيضًا تعليق ناصر بكري، الذي ذكّر بأننا بعد 12 سنة من حكم السيسي لا ينبغي أن نندهش أو نسأل عن الأسباب كل مرة؛ فالمفترض أن تكون لدى المصريين "تراكم خبرات" في قراءة شخصيات من هذا النوع، إلى حد القدرة على توقّع سلوكها حتى عام 2158 كما قال ساخرًا. بمعنى آخر، الصورة ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المشاهد التي كرّست الفصل بين الحاكم والناس، في الشارع، وفي الاقتصاد، وحتى في العبادات والرموز الدينية.

 

 

بعض التعليقات ذهبت إلى وصف ما يجري بأنه "صفة صلاة المنافقين"، كما كتب حساب "جاسم"، الذي لاحظ أن الصفوف في الصورة لا تضم إلا "الظلمة وأعوانهم" على حد تعبيره، في صلاة تبدو أقرب إلى استعراض سياسي مغلق منها إلى عبادة جماعية صادقة، مع استثناء من يتوب ويصلح. هذه اللغة وإن كانت حادة، فإنها تكشف إلى أي مدى فقدت مشاهد الصلاة الرسمية الثقة لدى قطاعات واسعة تشعر بأن الدين يُستدعى كديكور، لا كقيمة حاكمة للسلوك والعدل.

 

 

في المحصلة، لم تعد صورة السيسي في صف الصلاة مجرد لقطة عابرة؛ فهي عند كثيرين تتويج لمسار كامل من صناعة "فرعون" يقف بعيدًا عن الناس في كل شيء، من السياسات الاقتصادية حتى الوقوف بين يدي الله. بين من يشخّص "غرور السلطة"، ومن يشكّك في التدين، ومن يحمّل المؤسسة الدينية مسؤولية الصمت، يتأكد أن فجوة الثقة بين الحاكم والمجتمع لم تعد تُقاس بالاستطلاعات والأرقام فقط، بل تُقرأ أيضًا في تفاصيل السجاد والصفوف والمسافات الصغيرة التي تفصل كتف الحاكم عن كتف من يُفترض أنه واحدٌ منهم.