هنّأ قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي نظيره الأوغندي يويري موسيفيني بإعادة انتخابه لولاية رئاسية سابعة، في مشهد عابر في البروتوكول الدبلوماسي، لكنه شديد الدلالة سياسيًا؛ فزعيم يحكم بلاده منذ منتصف الثمانينيات، ويطوّع الدستور لتمديد بقائه في الحكم، يجد في القاهرة من يفهم تمامًا معنى “التمسك بالكرسي”، بل ويتمناها وأكثر. في الخلفية، يدور في مصر جدل لا ينقطع حول احتمالات تعديل الدستور مرة أخرى، ومعه برلمان جديد جاء في انتخابات مطعون في نزاهتها، وكتائب من النواب والإعلاميين لا تخفي رغبتها في بقاء السيسي في السلطة “حتى الممات”، تحت لافتات من نوع “الاستقرار” و”استكمال الإنجازات”.

 

موسيفيني نموذجًا: الحكم مدى الحياة تحت غطاء انتخابي

 

عودة موسيفيني لولاية سابعة في أوغندا ليست مجرد خبر خارجي في نشرات السياسة الدولية، بل نموذج مكتمل لكيف يُدار مشروع “الرئاسة للأبد” في أفريقيا: تعديلات دستورية متكررة، إلغاء حدود مدد الرئاسة، التلاعب بقواعد السن القصوى، وإحكام القبضة على الإعلام والمعارضة، مع انتخابات تُجرى شكلًا وتُحسم مسبقًا مضمونًا.

 

حين يهنئ السيسي موسيفيني على “الثقة المتجددة من الشعب الأوغندي”، تبدو الرسالة مزدوجة: تهنئة رسمية، وإشارة ضمنية إلى أن مسار الحكم الممتد بلا سقف لم يعد استثناء في القارة، بل نمطًا متكرّرًا. التوازي بين التجربتين واضح؛ فكلاهما قادم من خلفية عسكرية، وكلاهما يحكم عبر تحالف بين الأمن والبيروقراطية ورجال الأعمال، مع هامش ضئيل أو معدوم لمعارضة حقيقية.

 

في أوغندا، استخدمت السلطة البرلمان والمحكمة الدستورية لإزالة العوائق القانونية أمام بقاء موسيفيني. وفي مصر، جرى في 2019 تمرير تعديل دستوري يسمح بمد فترة السيسي وإضافة مواد تمنح الجيش وضعًا مميزًا، مع فتح الباب نظريًا لاستمرار الرئيس حتى 2030. اليوم، ومع البرلمان الحالي، يعود الحديث – علنًا وهمسًا – عن تعديل جديد يمدد أو يفتح مددًا إضافية، ليصبح الطريق ممهدًا لنسخة مصرية من “موسيفيني جديد”.

 

برلمان على المقاس.. وتمهيد ناعم لتعديل جديد

 

البرلمان القائم جاء بعد انتخابات طويلة وملتبسة، تناقل كثير من الشهادات أنها شهدت استخدامًا واسعًا للمال السياسي وتدخّلًا أمنيًا مباشرًا في تشكيل القوائم وحسم النتائج. برلمان بهذه الخلفية لا يُنتظر منه أن يكون سلطة رقابة أو توازن، بل “أداة تشريع” في يد السلطة التنفيذية.

 

في هذا السياق، لم تكن دعوات بعض النواب لتعديل الدستور أو “إعادة النظر في مدد الرئاسة” مفاجئة؛ فجزء من النخبة البرلمانية والسياسية يبني حضوره بالكامل على رسالة واحدة: “نحن هنا لحمايتك يا ريس، وتمديد حكمك قدر المستطاع”. تظهر هذه الرسالة في شكل مقالات مكررة في الصحف، وتصريحات على الفضائيات، وهاشتاغات تنطلق مع كل مناسبة، من بينها الدعوة صراحة إلى بقاء السيسي في الحكم “ما دام على قيد الحياة”، أو “حتى يكمل مشروعه”، أو “حتى تنتهي الحرب على الإرهاب” التي لا تنتهي.

 

هذه الأصوات لا تتحرك في فراغ؛ فهي تقرأ جيدًا طبيعة اللحظة الاقتصادية والسياسية: أزمة عملة خانقة، ديون خارجية غير مسبوقة، اتفاقات قاسية مع صندوق النقد، ضيق شعبي من الغلاء وانهيار مستوى المعيشة. في مواجهة ذلك، يُطرح خطاب “الرئيس المنقذ” الذي لا بديل عنه، ويُسوَّق الخوف من أي انتقال للسلطة باعتباره تهديدًا مباشرًا لبقاء الدولة، تمامًا كما يفعل حلفاء موسيفيني في أوغندا. وهكذا يتحول البرلمان من مؤسسة تمثّل الشعب إلى منصة تجهّز الأرضية القانونية لتخليد الحاكم.

 

إعلام ولجان وتوابيت شرعية.. نحو “تأبيد” حكم الفرد

 

بموازاة البرلمان، تتحرك ماكينة إعلامية ولجان إلكترونية تعمل على تثبيت فكرة أن السيسي وحده هو الضامن الوحيد للاستقرار، وأن الحديث عن تداول السلطة “ترف” لا يحتمله بلد غارق في الأزمات. في البرامج الحوارية، يُستضاف نواب وسياسيون ومحللون يدورون في فلك واحد: كيل المديح للرئيس، التحذير من “الفوضى” و”السيناريو السوري والليبي”، مهاجمة كل من يطرح فكرة التغيير أو العودة إلى روح الدستور.

 

وفق هذا المنطق، تصبح أي محاولة لمناقشة مستقبل الحكم أو التفكير في بدائل سياسية “خيانة” أو “مؤامرة”، وتتحول النصوص الدستورية إلى مجرد أوراق قابلة للتعديل كلما اقتضى الأمر. دعوت التهنئة لموسيفيني، في هذا الإطار، تبدو أكثر من بروتوكول؛ إنها انعكاس لعقل سياسي يرى في الرئاسة مشروعًا بلا نهاية، ويقرأ تجارب “الرؤساء الأبديين” باعتبارها نماذج يُحتذى بها لا تحذيرات يجب تجنّبها.

 

لكن التاريخ يقول إن الدساتير التي تُفصَّل على مقاس الحكام لا تحمي الدول من الانهيار، بل تؤجّل الانفجار وتزيد كلفته. وبينما يتبادل السيسي وموسيفيني التهاني بولايات جديدة، يبقى السؤال الحقيقي معلقًا في هواء القاهرة: هل يُكتب لمصر أن تعرف مرة أخرى تداولًا حقيقيًا للسلطة واحترامًا لحدود الدستور، أم أن حلم “الرئاسة للأبد” سيبقى يقود البلاد في طريق مسدود، مهما تعددت الشعارات عن الاستقرار والإنجازات؟