حين يخرج هشام الدجوي رئيس شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية ليعلن أن مصر تعيش «العصر الذهبي للمواد الغذائية»، وأن الأمن الغذائي يكفي الشعب المصري وضيوفه، وأن الأسعار مستقرة منذ عامين، يبدو وكأنه يتحدث عن بلد آخر غير ذلك الذي تمتلئ فيه مواقع التواصل باستغاثات مواطنين لا يجدون ثمن لقمة العيش.
بين تصريح رسمي واثق، وفيديو لامرأة تبكي وتقول إنها مستعدة لبيع أطفالها لأنها لم تعد قادرة على الإنفاق عليهم، ولقطات وبرامج تتحدث صراحة عن «ناس بتاكل من الزبالة»؛ تتجلى الفجوة الهائلة بين رواية السلطة الاقتصادية، وحقيقة ما يعيشه الناس في الشارع والبيوت.
رئيس شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية هشام الدجوي: #مصر تعيش العصر الذهبي للمواد الغذائية والأمن الغذائي يكفي الشعب المصري وضيوفه#مزيد pic.twitter.com/i1jkuATih3
— مزيد - Mazid (@MazidNews) January 23, 2026
«عصر ذهبي» على الشاشات… وذهبٌ يتبخر في جيوب الناس
التصريح الذي تحدث فيه رئيس شعبة المواد الغذائية عن «العصر الذهبي» و«الأمن الغذائي» و«استقرار الأسعار» لم يأتِ في فراغ، بل كان جزءًا من خطاب رسمي متكرر: مخزون آمن، سلع متوفرة، معارض مخفضة، وطمأنة دائمة بأن كل شيء «تحت السيطرة». لكن المواطن لا يحاسب الحكومة بمنشورات الغرف التجارية، بل بما يدفعه في نهاية جولة شراء بسيطة من البقال أو السوبر ماركت.
حين يسمع الناس مسؤولًا يتحدث عن استقرار الأسعار منذ عامين، وهم يرون أن ما كانوا يشترونه بمائة جنيه صار يحتاج إلى ضعف هذا الرقم وربما أكثر، يتحول الكلام إلى نوع من الاستفزاز. الاستقرار الوحيد الذي يشعرون به هو استقرار الغلاء عند مستوى عالٍ لا ينخفض، واستقرار الرواتب عند مستوى ضعيف لا يرتفع.
«العصر الذهبي للمواد الغذائية» قد يكون حقيقيًا لمن يربحون من الاستيراد، ومن يحتكرون سلاسل الإمداد، ومن يملكون القدرة على تمرير أي زيادة في التكلفة إلى المستهلك النهائي. لكنه بالنسبة إلى موظف يتقاضى راتبًا ثابتًا، أو عامل يومية، أو أرملة تعول أطفالًا، يبدو أقرب إلى «عصر أسود» يلتهم ما تبقى من قدرتهم على العيش الكريم.
أم تبيع أطفالها وناس تأكل من الزبالة: صور الفقر أقوى من أي خطاب
الفيديو الذي ظهرت فيه سيدة مصرية تبكي وتقول إنها «هتبيع أولادها» لأنها لم تعد قادرة على إعالتهم، لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل صدمة هزّت الرأي العام على السوشيال ميديا.
حتى لو عادت السيدة لاحقًا لتوضح أن ما قالته كان لحظة يأس وضغط، فإن مجرد وصول إنسانة إلى أن تنطق بهذه الكلمات على الهواء يكفي ليكشف عمق الأزمة التي تعيشها شرائح واسعة من المجتمع.
..
هذا المشهد يتجاور مع صور أخرى لا تقل قسوة؛ مواطنون يبحثون في صناديق القمامة عن بقايا طعام، أو يجمعون الخضار الفاسد من على الأرض بعد انتهاء السوق، وبرامج حوارية على يوتيوب تتحدث بعبارات صريحة: «الشعب بياكل من الزبالة»، «الناس مش لاقية تاكل»، «الأسعار طحنِت المواطن».
هذه المشاهد، حتى لو أراد البعض التقليل منها، أصبحت جزءًا ثابتًا من الصورة الذهنية للمصريين عن واقعهم اليومي.
في مواجهة هذا كله، يصبح تصريح «العصر الذهبي» كأنه إعلان عن عالم موازٍ يعيش فيه المسؤولون وحدهم. فكيف يمكن الحديث عن وفرة وأمن غذائي في بلد تظهر فيه أم على فيسبوك تستغيث من عجزها عن إطعام أطفالها؟ وكيف يمكن التباهي بالاستقرار بينما تضطر أسر إلى تقليل عدد الوجبات، أو الاستغناء عن البروتين نهائيًا، أو العيش على أرخص أنواع الطعام وأقلها قيمة غذائية؟
أمن غذائي حقيقي أم مصطلح تجميلي لسياسات فاشلة؟
في التعريف العلمي، «الأمن الغذائي» يعني أن يكون الغذاء متوفرًا، وآمنًا، ومغذيًا، وفي متناول الجميع اقتصاديًا. أي خلل في واحدة من هذه الأضلاع يسقط الادعاء. قد يكون المخزون متوفرًا في المخازن، لكن إذا كان سعره أعلى من قدرة غالبية المواطنين على الشراء، فإن الحديث عن «أمن غذائي» يصبح تجميلًا لفظيًا للأزمة لا وصفًا للحل.
المشكلة ليست فقط في الأسعار، بل في الإحساس العام بالظلم. المواطن يرى أن هناك من يحقق أرباحًا خيالية من تجارة الغذاء، بينما يُطلب منه هو أن يتحمل، ويشد الحزام، ويقتنع بأن «الوضع تحت السيطرة». يرى معارض سلعية لأسابيع قليلة، ثم تعود الأسعار للارتفاع مرة أخرى، فيفقد ثقته في أي وعود بالانفراج.
إذا أرادت الدولة أن تتحدث بصدق عن أمن غذائي وعصر ذهبي، فعليها أولًا أن تنظر في عين الأم التي قالت إنها تبيع أطفالها، وفي عين الرجل الذي يلتقط بقايا الطعام من الزبالة، وأن تعترف بأن هؤلاء جزء من الصورة وليسوا «استثناءات» هامشية. السياسة الجادة تبدأ من الاعتراف بالمشكلة، لا من إنكارها أو تغطيتها بعبارات براقة.
ختاما لن تُقنع الناسَ تقاريرُ الغرف التجارية، ولا تصريحات البرامج، إذا ظلّ واقعهم اليومي يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. في النهاية، معيار صدق المسؤول ليس ما يقوله على الشاشات، بل ما يشعر به المواطن عند طابور العيش، أو أمام بائع الخضار، أو وهو يقسم ما في محفظته بين الطعام والدواء والإيجار.
العصر الذهبي الحقيقي هو الذي تتراجع فيه طوابير الفقر، لا الذي ترتفع فيه أرباح تجار الغذاء. وهو الذي لا تضطر فيه أم إلى أن تصرخ بأنها ستبيع أطفالها لتطعمهم، ولا يُضطر فيه إنسان أن يمد يده في صندوق قمامة بحثًا عن باقي طعام. ما عدا ذلك، يظل مجرد شعارات لا تطعم جائعًا ولا تكسو طفلًا.

