لم يكن ما يسمى بـ«مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإدارة غزة مجرد ترتيب إداري جديد، بل كان – في عيون كثير من المراقبين – صفارة إعلان موت النظام الدولي كما عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. مجلس يضم عشرات الدول، يقوده رجل يفاخر في دافوس بأنه سيعيد تشكيل العالم على هواه، ويحوِّل غزة إلى «مسرح تجريبي» لنظام عالمي يقوم على البلطجة والصفقات، لا على القانون والمؤسسات.

 

من تغريدات المحللين العرب والفلسطينيين إلى مقالات كتاب غربيين مثل باتريك وينتور، تتكرر الفكرة نفسها: نحن لا أمام «مبادرة سلام»، بل أمام انقلاب مكتمل الأركان على فكرة القانون الدولي ذاتها، تُستخدم فيه غزة كفأر تجارب، ويُدفَع العرب – مرة أخرى – ليكونوا أول من يُلقى من طائرة النظام القديم إلى فراغ نظام جديد بلا مظلات ولا قواعد.

 

«مجلس السلام»… هدمٌ للنظام الدولي ودفنٌ للعرب أحياء

 

القراءات المتعددة للمشهد تجتمع على شيء واحد: هذا المجلس ليس إضافة إلى النظام الدولي، بل معول لهدمه.

 

ففوزي بداوي يرى أن قبول عشرات الدول (يُذكر رقم 36 دولة) الانضمام إلى هذا الكيان يعني عملياً هدم النظام القائم، ويصف الخطوة الأميركية بأنها تطبيق حرفي لخيارات «شمشون»: «عليَّ وعلى أعدائي يا رب». العالم عنده على حافة هاوية، لكن العرب بالذات يُدفَعون دفعاً إلى السقوط الحر؛ يُخرَجون من مظلة نظام دولي كان يمنحهم – ولو شكلياً – بعض الحماية القانونية، ليُرموا في فراغ نظام جديد تحكمه شهوة القوة وحدها.

 

محمد هنية يضيف صورة رمزية أكثر قسوة: ستّون دولة – من الصين وكوريا الجنوبية إلى باكستان والهند، مروراً بدول عربية وغربية – تتزاحم على «حكم» بقعة صغيرة لا تتجاوز حيّاً في القاهرة أو الرياض، لكنها تتحوّل إلى عقدة عصبية للنظام العالمي الجديد. حيّ صغير اسمه غزة، لكن من يمسك به يظن أنه يمسك بخيوط إعادة ترتيب الكوكب.

 

 

سعيد زياد يذهب مباشرة إلى جوهر اللعبة: هذا المجلس ليس مجرد ترتيب «لإدارة غزة»، بل مشروع بديل للأمم المتحدة ومجلس الأمن. ترامب – المهووس بتاريخ شخصي وصورة مخلّدَة – يريد أن يترك بصمته الخاصة: نظاماً دولياً بلا مؤسسات، ولا ميثاق، ولا «شرعية» سوى شرعية من يجلس على كرسي مجلسه. من دافوس، يلوّح بصدام مع كندا، ومع أوروبا حول غرينلاند، ومع إيران وفنزويلا، ليقول صراحة: العالم القديم انتهى، وها أنا أكتب دستور الفوضى الجديد.

 

 

وائل قنديل يختصر كل هذه القراءات في وصف فجّ لكنه دقيق: ترامب «بلطجي» يشهر السلاح في وجوه الجميع ويدّعي الجنون في دافوس، وما يجري ليس «مجلس سلام» بل استيلاء على غزة بقوة العصابة، يتبعه – كما يقول – «حثالات الخدم»؛ دول وأنظمة تتبع الرجل الأشد وقاحة في الغرفة بلا إرادة ولا كرامة، فقط خوفاً وطمعاً.

 

 

في قلب كل هذه التحليلات خوف واضح: أن العرب، الذين لم ينجحوا يوماً في دخول النظام الدولي من موقع الندّ، سيُستَخدمون الآن كأول ضحايا إعادة الهيكلة؛ أدوات في المجلس، ووقوداً في صراعاته، لا شركاء في صناعتِه ولا مستفيدين من نتائجه.

 

من دافوس إلى «قتل القانون الدولي»… ترامب ليس حالة عابرة بل علامة على نهاية زمن

 

التساؤل الأكبر الذي يطرحه مراقبون كُثر: هل ما يفعله ترامب نزوة عابرة، أم تتويج لمسار طويل من تفكيك النظام الدولي؟

 

سعيد الحاج يقرأ المشهد من زاوية تاريخية: الأسباب التي أشعلت الحربين العالميتين – أزمات اقتصادية خانقة، صعود قوى يمينية متطرفة، سباق تسلح، ضعف مؤسسات دولية عاجزة عن احتواء التوترات – كلها تعود اليوم في نسخة محدثة.

 

والفرق أن اللاعب الرئيسي هذه المرة لا يقف خارج النظام، بل يجلس في قلبه: البيت الأبيض. أخطر ما يفعله ترامب، في رأي الحاج، ليس قراراته الفردية، بل ضربه المنهجي للمؤسسات التي صُمِّمت أصلاً لتجنب الحروب الكبرى، من الأمم المتحدة إلى محكمة العدل والجنائية الدولية، مروراً بحلف الناتو والاتفاقيات متعددة الأطراف.

 

باتريك وينتور، في مقاله «إلى الفراغ: كيف قتل ترامب القانون الدولي؟»، يضع إصبعه على الجرح نفسه. يستحضر عبارة غرامشي: «العالم القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد؛ في هذا الفراغ تظهر الوحوش». يصف اللحظة الراهنة بالضبط بهذا الشكل:

 

  • نظام دولي تأسس بعد 1945 ينهار أمام أعيننا.
  • لا يوجد بديل مستقر أو توافقي.
  • إدارة أميركية قررت أن النظام القائم «عدو لمصالحها»، لا إطاراً لحمايتها.

 

ماركو روبيو، أحد قادة هذا الاتجاه، يصرّح أن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية «لم يعد صالحاً، بل أصبح معادياً لأميركا». هذا اعتراف صريح بأن الهدف ليس إصلاح القواعد بل نسفها. «مجلس السلام» في غزة ليس إلا أول تجسيد عملي: منصة موازية للأمم المتحدة، تقرر من يحكم، ومن ينزع سلاحه، ومن يُشرعَن، ومن يُدفَن سياسياً.

 

بهذا المعنى، ترامب لم يقتل القانون الدولي «عَرَضاً»، بل شنّ عليه عملية اغتيال متعمدة، واستبدله بتفاهمات ثنائية وصفقات فردية ومجالس موازية، يعلَن منها أن زمن القواعد انتهى، وأن زمن القوة العارية قد بدأ.

 

غزة… فأر تجارب لنزع سلاح شعب، لا لنزع فتيل حرب

 

وسط هذا الخراب «النظري»، تقف غزة كأرض التجربة الأولى.

 

أسماء أعضاء «مجلس السلام» تكفي وحدها لفضح حقيقة المشروع: ماركو روبيو، ستيف ويتكوف، توني بلير، جاريد كوشنر… خليط من صقور الحرب، ورجال عقار، ومهندسي «صفقة القرن»، يعودون في نسخة أكثر وقاحة.

تغريدة ويتكوف عن «المرحلة الثانية من خطة ترامب: من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح وإعادة الإعمار» تكشف جوهر الفكرة: إنشاء إدارة تكنوقراطية انتقالية في غزة، عنوانها الظاهر «إدارة مدنية وإعمار»، وهدفها الحقيقي «نزع السلاح الكامل» وتحويل القطاع إلى نموذج لـ«سلام بلا مقاومة، وسيادة بلا شعب».

 

تامر المسحال يذكّر بحقيقة لا يمكن القفز فوقها: بعد مئة يوم من اتفاق وقف إطلاق النار، ارتكب الاحتلال 1300 خرق، خلّفت أكثر من 1800 شهيد وجريح ومعتقل. أي «سلام» هذا الذي تُدار تحته مجزرة مستمرة؟ وأي «مجلس» يمكن أن يفرض على شعب أعزل نزع سلاحه بينما القاتل لا يلتزم حتى باتفاقات مكتوبة؟

 

https://x.com/TamerMisshal/status/2014013772139028516

 

أدهم أبو سلمية يرد على جملة ترامب في دافوس: «حماس وُلدت والسلاح في أيديها»، ليقول: الشعب الفلسطيني وُلد وهو يرضع الكرامة قبل أن تولد حماس بأربعة عقود. السلاح وسيلة، لكن الإرادة هي الأصل، والمقاومة ليست مشروع فصيل، بل تعبير عن هوية شعب رُبّي على رفض الخضوع. أي حديث عن نزع السلاح قسراً هو في حقيقته محاولة لانتزاع هذه الإرادة من جذورها، وتمرير هزيمة تاريخية تحت لافتة «إعادة الإعمار».

 

 

عصام عبدالشافي يضع ما يحدث في إطار أطول: من مبادئ ولسون الأربعة عشر عام 1918 إلى ما يسميه «مبادئ ترامب الثمانية والعشرين» عام 2025، خط واحد من «الاستحمار الأميركي» للعالم – كما يسميه – هدفه الثابت السيطرة على الثروات والشعوب، وإن تغيّرت اللغة والشعارات. «مجلس السلام» ليس استثناء، بل فصل جديد في مسلسل طويل، تُجرَّب فيه وصفة أميركية قديمة بثوب أكثر فجوراً:

 

  • نُدمر،
  • ثم نحتكر إعادة الإعمار،
  • ونطلب من الضحية أن تدفع الفاتورة مقدماً من كرامتها وسلاحها وحقها في تقرير مصيرها.

 

في الخلاصة، لا أحد من هؤلاء المراقبين يرى في «مجلس السلام» مجلساً للسلام. بل يرونه مجلس إدارة لفوضى عالمية جديدة، تُستخدم فيها غزة كمرآة تعكس صورة عالم قرر أن يدفن القانون الدولي، ويستبدله بمجلس يقوده رجل واحد وحفنة من «حثالات الخدم»، بينما يُترَك الضعفاء – وعلى رأسهم العرب والفلسطينيون – عراة في مهبّ رياح نظام يولد بلا ميزان ولا ضمير.