في مقابلة مطولة على شاشة الجزيرة مباشر، قدّم السفير موسى كلوك كايا، نائب وزير الخارجية التركي، خريطة واضحة للسياسة الخارجية التركية في ملفات شديدة التشابك: شمال سوريا، غزة، وإيران، والعلاقة مع إسرائيل. الرسالة الجوهرية بدت حاسمة: لا قبول بأي كيان انفصالي شمال سوريا، ولا استقرار في الإقليم دون حلول سياسية تحافظ على وحدة الدول وتمنع تفكيكها.

 

تصريحات كايا تكشف مسارًا تركيًا يريد أن يجمع بين ثلاثة عناصر متوازية:

 

  • تثبيت الأمن القومي التركي على حدوده الجنوبية.
  • دعم مسار اندماج سوري – سوري يضمن وحدة الأراضي والدولة.
  • لعب دور نشط في أزمات غزة والملف الإيراني مع الحفاظ على هامش الحركة ضمن القانون الدولي.

 

شمال سوريا: وحدة الأراضي خط أحمر وأنقرة تتقاطع مع دمشق

 

في الملف السوري، بدا كايا حريصًا على تأكيد أن وحدة الأراضي السورية ليست مجرد شعار دبلوماسي، بل أولوية إستراتيجية لأنقرة. شدد على أن تركيا لن تقبل بأي محاولة لإنشاء كيان انفصالي في الشمال، وأن الحديث عن إدارة مستقلة أو مشروع “دويلة” في تلك المنطقة يتعارض مع الأمن القومي التركي ومع استقرار سوريا نفسها.

 

أشار نائب الوزير إلى أن أنقرة ترى في الحكومة السورية الحالية طرفًا لا بد من التعامل معه في هذا الإطار، وامتد التوصيف ليتحدث عن أن دمشق – برئاسة “الرئيس الشرعي” كما وصفه – تتصرف بحكمة في التعامل مع الاستفزازات الإسرائيلية، وتسعى إلى حماية الأمن الداخلي وتحقيق قدر من الاستقرار السياسي.

هذه اللغة تعكس تحوّلًا ملموسًا في الخطاب التركي مقارنة بسنوات سابقة، حيث كانت أنقرة تتخذ موقفًا أكثر حدّة من النظام السوري، بينما تبدو الآن أكثر براغماتية في ضوء أولويات الأمن الحدودي ومنع الكيانات الانفصالية.

 

كايا أوضح أيضًا أن التعاون التركي – السوري يشمل:

 

  • تبادل المعلومات والبيانات الاستخباراتية لتعقب التهديدات الأمنية.
  • العمل على إعادة دمج المكوّنات السورية المختلفة تحت مظلة الدولة.
  • دعم خطوات رمزية وعملية في آن واحد، مثل تطبيق الحقوق الثقافية للأقليات، واعتبار “نوروز” عيدًا وطنيًا، في محاولة لتخفيف الاحتقانات القومية والطائفية التي غذّت مشاريع الانفصال لسنوات.

 

“قسد” وبي كا كا: عقدة الشمال ومحور القلق التركي

 

القضية الأكثر حساسية في خطاب كايا كانت بلا شك ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وارتباطها بتنظيم “بي كا كا” المصنّف كتنظيم إرهابي لدى أنقرة. نائب وزير الخارجية التركي وجّه تحذيرًا واضحًا من إدخال عناصر “بي كا كا” إلى الأراضي السورية ومنحهم غطاءً تحت مسمّى “قسد” أو أي تشكيلات أخرى، معتبرًا أن هذا المسار يعني فعليًا تثبيت بنية انفصالية مسلّحة على حدود تركيا.

 

من وجهة النظر التركية كما عرضها كايا، هناك خطوط محددة:

 

  • لا مانع من إعادة إدماج المكوّنات الكردية وغيرها تحت سلطة الدولة السورية بشرط أن يكون ذلك في إطار وحدة البلد وشرعية الحكومة المركزية.
  • رفض قاطع لأي ترتيبات دولية أو محلية تمنح “قسد” وضعًا شبيهًا بالإدارة المستقلة أو الكيان السياسي المتمايز في شمال سوريا.
  • دعوة لجميع الأطراف للالتزام باتفاقات وقف إطلاق النار والتهدئة، مع التنبيه إلى أن انهيار هذه التفاهمات سيضر أولًا بالمدنيين والبنية التحتية، ويعيد الجميع إلى نقطة الصفر.

 

في هذا السياق، يظهر أن أنقرة تحاول أن تقدّم نفسها كطرف يسعى إلى “اندماج كلي بين الأطراف السورية” بدلًا من تكريس محاور متناحرة، لكنها في الوقت نفسه تمسك بالعصا من المنتصف: ترفض “قسد” حين تتقاطع مع “بي كا كا”، وتقبل بإدماج المكوّن الكردي ضمن الدولة السورية الموحدة إذا توافرت الضمانات.

 

غزة، إيران، وإسرائيل: دور تركي بين الوساطة والاصطفاف المبدئي

 

بعيدًا عن سوريا، توسّع حديث كايا ليشمل قطاع غزة والأزمة الإقليمية الأوسع. أوضح أن تركيا تتحرك مع قطر ومصر في محاولة لوقف نزيف الدم في غزة، لكن المرحلة الأولى من اتفاق غزة – كما وصفها – لم تنجح في تحقيق أهدافها بسبب الخروقات الإسرائيلية المستمرة وعرقلة إدخال المساعدات الإنسانية، ما أبقى الوضع الإنساني في حالة كارثية.

 

تحدث عن مرحلة ثانية يفترض أن تتضمن:

 

  • إعادة إعمار غزة.
  • تشكيل لجنة من “التكنوقراط” لإدارة ما بعد الحرب.
  • العمل على سلام مستدام للفلسطينيين.

 

ولفت إلى أن أنقرة مستعدة للانضمام عسكريًا إلى أي قوة دولية لحفظ السلام إذا طُلب منها ذلك في إطار شرعية دولية واضحة، ما يعكس حرصًا على الجمع بين خطاب داعم للمقاومة الفلسطينية ومقاربة مؤسساتية عبر الأمم المتحدة أو ترتيبات قانونية دولية.

 

في الملف الإيراني، دعا كايا إلى الحوار ووقف التصعيد، رافضًا بشكل قاطع أي محاولة لتغيير النظام في طهران أو التدخل في شؤونها الداخلية، معتبرًا أن هذه السيناريوهات لا تجلب استقرارًا بل تفتح أبواب الفوضى في المنطقة. هنا تكرر تركيا خطابًا يقوم على رفض تفكيك الدول، سواء كانت سوريا أو إيران أو غيرهما.

 

أما عن إسرائيل والتهديدات التي تمثلها في المنطقة، فقد شدد نائب وزير الخارجية التركي على:

 

  • دعم أنقرة للمبادرات الرامية إلى تحقيق سلام عادل ومستدام.
  • أهمية التعاون مع الدول العربية والإسلامية في مواجهة السياسات العدوانية الإسرائيلية.

 

لكنه في الوقت نفسه أقر بعدم وجود تحالف عسكري ملموس حتى الآن، مشيرًا إلى أن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تتم في إطار القانون الدولي والاتفاقيات القائمة، ما يعكس سعي تركيا إلى الحفاظ على مساحة حركة دبلوماسية واسعة دون الانجرار إلى مواجهات خارج حساباتها الإستراتيجية.

 

في المحصلة، يرسم حديث موسى كلوك كايا صورة لسياسة تركية تحاول أن تجمع بين صلابة في ملف الكيانات الانفصالية، وبراغماتية في التعامل مع الأنظمة القائمة، ونشاط دبلوماسي في قضايا غزة والإقليم، مع التأكيد الدائم على أن البديل عن الحلول السياسية ليس إلا الفوضى التي لا يريدها أحد… لكنها تظل احتمالًا قائمًا إذا استمر تجاهل جذور الأزمات.