مع اقتراب المراجعات الجديدة لبرنامج مصر مع صندوق النقد الدولي خلال 2026، تتجه حكومة الانقلاب إلى خطوة شديدة الخطورة: طرح ما يقرب من 30% من بنك القاهرة للبيع، عبر طرح عام في البورصة وطرح خاص لمستثمرين كبار، في محاولة يائسة لتوفير دولارات سريعة قبل الوقوف مجددًا أمام لجنة الصندوق. هذه الخطوة لا تأتي في سياق إصلاحٍ مدروس، بقدر ما تبدو استجابة مباشرة لإملاءات المؤسسات الدولية التي تربط استمرار التمويل بتسريع بيع أصول الدولة وتقليص دورها في الاقتصاد.
ورغم أن الخطاب الرسمي يروج للطرح باعتباره “توسيعًا لمشاركة القطاع الخاص”، فإن الأرقام تكشف مفارقة فجة: بنك يحقق أرباحًا قياسية ويعد من أعمدة الجهاز المصرفي، يُدفع الآن إلى منصة البيع كأنّه عبء على الدولة لا أحد أعمدتها المالية.
بنك يحقق أرباحًا قياسية.. فلماذا يُباع الآن؟
القوائم المالية لبنك القاهرة حتى نهاية سبتمبر 2025 تُظهر بنكًا في أوج قوته، لا مؤسسة خاسرة تحتاج إنقاذًا. فقد قفز صافي الربح بعد الضرائب إلى نحو 12.6 مليار جنيه خلال التسعة أشهر الأولى من 2025، بزيادة تقارب 46% عن الفترة نفسها من 2024، مع ارتفاع صافي الدخل من العائد بنحو 25%، وإيرادات تشغيلية تخطت 30 مليار جنيه، ما يعكس كفاءة تشغيلية قوية وجودة أصول متماسكة.
هذه الأرقام تؤكد أن قرار بيع حصة من بنك القاهرة لا علاقة له بإنقاذ مؤسسة متعثرة، بل يتعلق بحكومة تبحث بأي ثمن عن سيولة دولارية لتسد فجوة ديون خارجية وخدمة دين تلتهم معظم إيرادات الموازنة. وهو ما يتقاطع مع ما شدد عليه صندوق النقد في تقاريره الأخيرة، حين طالب مصر بتسريع التخارج من أصول الدولة وتقليص دورها الاقتصادي كشرط لاستمرار صرف الشرائح المتبقية من القرض الممتد.
وفق مصادر حكومية، تستهدف السلطة بيع حصة تتجاوز 30% من البنك، عبر مزيج من الطرح في البورصة والبيع المباشر لمستثمرين عرب وأجانب، ضمن حزمة تشمل أيضًا بنوكًا ومطارات، بهدف تحصيل نحو 3 مليارات دولار من برنامج الطروحات خلال فترة قصيرة.
بمعنى آخر: الدولة لا تبيع الأصول الفاشلة، بل تتخلص من أنجح وأربح ما تملك، وعلى رأسها بنك القاهرة، لتُرضي صندوق النقد والدائنين، لا المواطن الذي سيتحمل وحده ثمن هذه السياسات لاحقًا.
من “إصلاح” إلى “تصفية دولة”.. تحذيرات سالي صلاح وممدوح الولي
الخبيرة الاقتصادية د. سالي صلاح ترى أن مصر دخلت بالفعل ما تسميه “الحلقة المميتة من الديون وبيع الأصول”، حيث أصبح الاقتصاد – كما توضح – عاجزًا عن توليد الثروة أو حماية السيادة المالية، بينما يُستخدم بيع الأصول كحل سريع لسداد القروض بدلاً من بناء قاعدة إنتاجية حقيقية. وترى أن استمرار النهج الحالي من الاقتراض والخصخصة لن يقود إلا إلى مزيد من التدهور، وأن الخروج يتطلب تغييرًا سياسيًا جذريًا يوقف “تصفية الدولة” ويحظر مؤقتًا بيع الأصول الاستراتيجية.
في ضوء هذه الرؤية، يصبح طرح بنك القاهرة حلقة جديدة في سلسلة طويلة: بيع أراضٍ وموانئ ومناطق استراتيجية وشركات رابحة لصالح مستثمرين خارجيين، بينما يغرق الداخل في تضخم وضرائب وديون متصاعدة.
من جانبه، يحذر الخبير الاقتصادي ممدوح الولي من أن موجة الطروحات الأخيرة تمثل عمليًا رهنًا لمستقبل مصر الاقتصادي؛ فحصيلة البيع – كما يوضح – لا تُوجَّه إلى الاستثمار والإنتاج، بل تسدد أقساطًا وفوائد على ديون خارجية متراكمة، ما يعني أننا نستبدل أصلًا منتجًا بتخلص مؤقت من دين، ثم نعود مجددًا للاقتتراض مع فقدان أصول جديدة في كل دورة.
وبتطبيق هذا المنطق على بنك القاهرة، فإن بيع حصة من مؤسسة مصرفية قوية ومربحة لن يغير من بنية الأزمة: لن يزيد الطاقة الإنتاجية، ولن يخلق قيمة مضافة حقيقية، بل سيمنح الحكومة هدنة مالية قصيرة مقابل خسارة جزء من السيطرة على واحد من أهم بنوكها العامة.
صفقة بنك القاهرة بين ضغوط صندوق النقد وحسابات المستثمرين
الخبير الاقتصادي هاني توفيق يصف المشهد من زاوية أخرى مكملة: ضغوط صندوق النقد تدفع الحكومة، كما يقول، إلى التحرك بوتيرة أسرع في برنامج الطروحات، مع توقع أن تكون البداية بـ أقوى وأربح الشركات لضمان جذب المستثمرين وتحقيق نتائج “مشجعة” تسمح باستكمال البرنامج. ويشير إلى أن الدولة ستتجه تحديدًا إلى الشركات التي تحقق أرباحًا واضحة وتعمل في قطاعات جذابة، لأن فشل أي صفقة في هذه المرحلة سيكون مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا.
هذا الكلام يعني بوضوح أن بنك القاهرة ليس استثناءً، بل نموذجًا لما يريده الصندوق: بيع “الجواهر” أولاً، لا الشركات الهامشية أو الخاسرة؛ حتى لو كان الثمن تآكل دور البنوك العامة التي لعبت تاريخيًا دور “الصمام” في أوقات الأزمات.
في المقابل، تعكس تصريحات د. سالي صلاح وممدوح الولي وجهًا آخر للمعادلة:
• بيع الأصول الرابحة في ظل دين خارجي يقترب من 170 مليار دولار وخدمة دين تلتهم أغلب الإيرادات العامة يعني تفريغ الدولة من ممتلكاتها مقابل سد ثقوب لا تنتهي.
• مع كل شريحة جديدة من صندوق النقد، يتضخم نفوذ الدائنين في توجيه السياسات، من تسعير الطاقة والضرائب إلى نوعية الأصول المعروضة للبيع وتوقيتها.
الخطير في صفقة بنك القاهرة ليس فقط حجم الحصة المطروحة، بل هوية المشترين وشروط الإدارة:
• هل ستذهب النسبة الأكبر لصناديق خليجية تسعى إلى السيطرة على مفاصل القطاع المصرفي كما فعلت في قطاعات العقار والموانئ؟
• ما الضمانات لعدم تحوّل البنك إلى ذراع تمويل يخدم مصالح المستثمر الجديد على حساب أولويات التنمية الوطنية؟
• وهل سيُعلن بوضوح كيف ستُستخدم حصيلة البيع، أم ستذهب إلى “حفرة” خدمة الدين كما يحذر الولي وغيره من الخبراء؟
في النهاية، يجتمع ما قالته د. سالي صلاح عن “استعمار اقتصادي مقنّع” عبر العقود والخصخصة، مع تحذيرات ممدوح الولي من رهن المستقبل بالديون، ومع توصيف هاني توفيق لضغوط صندوق النقد التي تدفع لبيع أقوى الشركات أولاً، لنفهم الصورة كاملة: طرح بنك القاهرة ليس إصلاحًا اقتصاديًا، بل حلقة جديدة في مسلسل بيع الأصول تحت ضغط الدائنين، مقابل بقاء نفس السياسات التي صنعت الأزمة أصلًا.
ما لم يتغير المسار من جذوره – بوقف بيع الأصول الاستراتيجية، وإعادة هيكلة الديون، وبناء اقتصاد منتج لا ريعي – ستستيقظ مصر بعد سنوات لتجد أن البنوك والموانئ والأراضي التي بُنيت بعرق أجيال، أصبحت في يد آخرين، بينما بقي على المواطنين فقط نصيبهم من الفقر والضرائب والديون.

