لم يعد الصدام في مصر حكرًا على خط الفصل التقليدي بين الشعب والسلطة؛ بل امتد إلى قلب ما يُفترض أنه “مكونات الدولة” نفسها: قضاة في مواجهة أكاديمية عسكرية، محامون في مواجهة النيابة، شرطة في مواجهة جيش، وأجهزة سيادية تتصارع على مقاعد البرلمان والنفوذ.
هذا التناحر الأفقي والعمودي داخل جسد الدولة يأتي متوازيًا مع حالة فقدان عميقة للثقة بين الشعب والنظام، وتردٍّ اجتماعي واقتصادي غير مسبوق، ما يجعل من هذه الأزمات المتلاحقة أكثر من مجرد “خناقات مؤسسية”؛ بل مؤشّرًا على تشققات بنيوية تهدد ما تبقى من تماسك النظام نفسه.
أزمات متلاحقة: من “النزهة” إلى القضاء والجيش والشرطة
آخر حلقات هذه السلسلة بدأت من نيابة النزهة شرق القاهرة؛ حين طرد مدير النيابة عددًا من المحامين من أمام مكتبه، بألفاظ اعتبرها المحامون إهانة مباشرة، لينتهي الأمر بالتحفظ على اثنين منهم وإحالتهم للتحقيق. ردّ المحامين كان حادًّا: حشد ووقفة أمام مكتب النائب العام، ومطالبات بندب قاضٍ مستقل ووقف وكيل النيابة عن العمل. لكن المشهد اختُتم بصورة معكوسة تمامًا: اعتذار نقابة المحامين للطرف المعتدي كما رآه المحامون، لتنفجر موجة غضب واسعة على مواقع التواصل، اعتبر فيها كثيرون ما جرى “تسليم كفن قلعة الحريات” وذروة “انبطاح النقابة”.
في موازاة ذلك، تفجرت أزمة أخطر بين نادي القضاة والأكاديمية العسكرية حول نقل صلاحية تعيين وكلاء النيابة وترقيات القضاة إلى المؤسسة العسكرية، في سابقة تمس جوهر استقلال السلطة القضائية. نادي القضاة دعا لجمعية عمومية طارئة يوم 6 فبراير، وتسرّبت كشوف تعيينات دفعة 2022 كنوع من فرض الأمر الواقع في مواجهة محاولات الأكاديمية فرض قوائم بديلة.
على جبهة أخرى، شهدت الإسماعيلية في ديسمبر الماضي اشتباكًا مهينًا بين ضباط الجيش والشرطة بدأ بكسر ذراع ضابط مباحث، وتطوّر إلى حصار قسم شرطة الإسماعيلية ثان من قوة تابعة للجيش الثاني الميداني، قبل أن ينتهي الأمر باعتذار وفد من الشرطة لضابط الجيش داخل مقر قيادته؛ في مشهد يكشف اختلال ميزان القوة داخل “أخوة السلاح” أنفسهم.
أما في السياسة، فحرب الأجهزة على مقاعد البرلمان لم تعد سرًا؛ إذ خاضت المخابرات العامة والمخابرات الحربية والأمن الوطني سباق نفوذ محمومًا في انتخابات مجلس النواب، انتهى بتقسيم الغنيمة على أحزاب الواجهة:
• “مستقبل وطن” ذراع الأمن الوطني (277 مقعدًا)،
• “حماة الوطن” ذراع المخابرات الحربية (87 مقعدًا)،
• “الشعب الجمهوري” و”الجبهة الوطنية” كامتداد للمخابرات العامة (89 مقعدًا مجتمعين).
في الخلفية أيضًا، تصاعدت أزمة بين نادي القضاة من جهة، والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة من جهة أخرى، بعد تبرؤ نادي القضاة من خروقات الانتخابات ورمي الكرة في ملعب هذه الجهات، لترد أنديتها بثلاثة بيانات تتهم قضاة نادي القضاة بـ”النرجسية” وتحميل “الهيئة الوطنية للانتخابات” مسؤولية الفشل.
منطق الغلبة لا الشراكة: أجهزة تتوحش على بعضها وعلى المجتمع
السياسي مجدي حمدان يلخص جوهر المشهد بقوله إن الأخطر من الأزمات نفسها هو طريقة إدارتها، التي كرّست لـمنطق الغلبة لا منطق الشراكة؛ من النيابة التي تغلبت على المحامين، إلى الأجهزة الأمنية التي اقتسمت البرلمان، وصولًا إلى المؤسسة العسكرية التي تمد يدها إلى صميم استقلال القضاء.
حمدان يرى أن شكاوى القضاة اليوم من تغول سلطة أعلى على استقلالهم، خصوصًا في ملف التعيينات، تعكس انهيارًا فعليًا لمبدأ الفصل بين السلطات، وتحوّل المؤسسات العدلية إلى دوائر نفوذ تتصارع على الامتيازات أكثر مما تدافع عن العدالة.
ويضيف أن هذه اللحظة هي نتيجة تراكمات طويلة من إدارة الخلافات بمنطق أمني وإداري، لا بمنطق سياسي ودستوري؛ مع غياب آليات الحوار المؤسسي والاستخفاف بتوازنات دقيقة كانت تمثل صمام أمان للدولة.
السياسي خالد سعيد يربط جذور الأزمة بثلاث محطات:
1. 25 يناير 2011 التي خلخلت “الدولة العميقة”.
2. انقلاب 3 يوليو الذي أعاد تمتين هذه الدولة في ثوب جديد.
3. إعادة التصلب مع تشوّه ترتيب العلاقات بين الأجهزة، حيث هيمنت المخابرات الحربية على المخابرات العامة، وسيطر الاثنان على الأمن الوطني، ثم بسطت هذه الأجهزة سيطرتها على القضاء والإعلام والاقتصاد وسائر أجهزة الدولة.
سعيد يعتبر أن إقالة وزير الدفاع محمد زكي، ورئيس المخابرات العامة عباس كامل، والعقيد أحمد شعبان وفريقه في أزمة أغسطس 2024، لم تكن حادثًا عابرًا، بل علامة على صراع داخلي شرس على ترتيب المراكز داخل هرم السلطة، يُدار بعيدًا عن أي رقابة أو شفافية، بينما يُترك المجتمع كله رهينة لهذه الترتيبات المتقلبة.
في هذا السياق، تبدو أزمة المغتربين مع الحكومة – بعد إلغاء الإعفاء الجمركي عن الهواتف وفرض 38% جمارك على المصريين العائدين – وجهًا آخر للمنطق نفسه: سلطة ترى في كل فئة، من العمال إلى القضاة إلى المغتربين، مصدر جباية أو ورقة ضغط، لا شريكًا في عقد اجتماعي حقيقي.
قضاء يفقد ظهيره الشعبي ومجتمع يُدفَع نحو “مجتمعات العبيد”
في أزمة المحامين والنيابة، يلفت المتحدث باسم الجبهة السلفية إلى أن السلطة حسمت الموقف لصالح “الأقرب لها”، أي النيابة والقضاء، على حساب المحامين، رغم أن الطرفين وجهان لعملة واحدة هي العدالة في أي دولة محترمة. ويعتبر ما حدث “دليلًا قطعيًا على غياب دولة القانون في عهد السيسي”، وعلى اتساع شريحة جديدة من الغاضبين: المحامون وحملة القانون أنفسهم.
الكاتب أحمد حسن حذّر من أن مؤسسة القضاء “تخسر ظهيرها الشعبي”؛ فأزمة المحامين مع نيابة النزهة لن تخدم المجلس الأعلى للقضاء في معركته مع الأكاديمية العسكرية، بل ستفقد القضاء ما تبقى له من تعاطف شعبي، إذ يُرى الآن كجزء من ماكينة قمع، لا كحامٍ للحقوق والحريات.
المحامي بالنقض سيد أبو عبلة ذهب إلى توصيف أقسى، معتبرًا أن ما جرى “نموذج يجسد حالة السادية والمازوخية”، حيث تستغرق مؤسسة مؤسسةً أخرى في ذلّ متبادل، في ظل وجود ما يسمى “الأجهزة السيادية” فوق دستور يقول نظريًا إن السيادة للشعب، واصفًا الوضع بأنه أقرب إلى “مجتمعات العبيد”.
أما المحاميان أيمن عطاالله وأسعد هيكل فيتفقان على أن الأزمة بين القضاء والمحامين عميقة وممتدة؛ تحوّلت من علاقة شراكة وتكامل إلى ندية وتنافر، وأن اعتذار نقابة المحامين للنيابة لم ينهِ شيئًا، بل عمّق إحساس المحامين بأنهم الحلقة الأضعف في معادلة يفترض أنها قائمة على التكافؤ أمام القانون.
في المحصلة، تبدو مصر اليوم أمام مشهد خطير:
• مؤسسات تتصارع على النفوذ والامتيازات.
• قضاء يفقد استقلاله وثقة الناس.
• أجهزة أمنية وعسكرية تتناحر وتتقاسم البرلمان والدولة.
• مجتمع مسحوق بين الغلاء والقمع، يفقد إيمانه بكل ما يُسمى “مؤسسات”.
كما قال مجدي حمدان، دولة قوية لا تُبنى بتغليب مكوّن على آخر، بل بتوازن الجميع تحت مظلة القانون وبثقة متبادلة تحفظ هيبة الدولة وحقوق المواطنين معًا. ما نراه اليوم هو النقيض تمامًا: دولة تُدار بمنطق “الغالب والمغلوب” داخلها، قبل أن تُطبّقه على شعبها.

