فيما يسجّل جرام الذهب عيار 21 7070 جنيهًا بزيادة تتجاوز 21% خلال أقل من شهر، ويقفز سعر الأونصة عالميًا إلى 5310 دولارات بارتفاع يقارب 23%؛ يكتشف المصري الذي هرع إلى الذهب باعتباره «ملاذًا آمنًا» أنه لا يجد السبيكة أصلًا.
تجار في سوق الصاغة يشكون من نقص حاد في السبائك المطروحة، شركات إنتاج تقلّص حصص التوريد، منصات تداول تؤكد تأخّر التسليم لأسابيع، وفي المقابل يتهم رئيس شعبة الذهب المواطنين بأنهم «مندفعون» وسبب إحساس السوق بالأزمة. وبين هذه الأصوات الأربعة: تاجر التجزئة كريم سليمان، ومدير منصة «آي صاغة» سعيد إمبابي، ورئيس الشعبة هاني ميلاد، وتحليل خبير مستقل في أسواق الذهب؛ تبدو الصورة كأنها سوق تُخنَق عمدًا بالندرة بينما تتراكم الفواتير على المدّخر الصغير.
قفزة في الأسعار وسوق بلا سبائك: الزبون يدور على «الملاذ الآمن» ولا يجده
الواقع الصريح أن الذهب يعيش واحدة من أكثر موجات الصعود حدّة في السوق المصرية: عيار 21 يلامس 7070 جنيهًا، والطلب في ارتفاع لأن الناس لم تعد تثق في الجنيه ولا في شهادات البنوك، فهربت إلى السبيكة باعتبارها «جنيهًا ذهبيًا جديدًا» يمكن حمله في الجيب بدل الورق الذي يتبخر.
لكن مع هذه القفزة في الطلب، يقول تاجر الذهب كريم سليمان إن السوق تشهد نقصًا ملحوظًا في كميات السبائك المطروحة؛ فبعد أن كان التاجر قادرًا على عرض كيلو أو اثنين أو أكثر في اليوم الواحد، أصبح اليوم «لا يستطيع أن يضع في الفاترينة 200 أو 300 أو 500 جرام»، لأن الشركات المنتجة قلّصت حصصه إلى عُشر الكمية تقريبًا.
السؤال البديهي هنا: كيف يُترك سوق بهذا الحجم تحت رحمة قرارات شركات إنتاج محدودة تتحكم وحدها في حجم المعروض، بينما تكتفي الدولة بدور المتفرّج؟
خبير مستقل في أسواق الذهب يرى أن صناعة الندرة في سلعة يتجه إليها الناس كأداة ادخار، تعني ببساطة فتح الباب أمام قفزات سعرية أكبر، ورسالة غير مباشرة للمواطن تقول: سارع بالشراء قبل أن يختفي الذهب تمامًا من السوق. وهكذا تتحول حركة ادخار دفاعية إلى موجة مضاربات تُغذّي نفسها بنفسها، بينما لا يظهر صوت رسمي واحد يتحدث عن ضبط آليات العرض والشفافية في التسعير.
شركات تقلّص الكميات وتأخيرات بالتسليم.. والتاجر في وجه العاصفة
من موقعه في قلب السوق، يشرح كريم سليمان تفاصيل «الخنقة» اليومية:
حصص الشركات للتجار تُخفّض عمليًا من كيلو إلى 100 أو 200 جرام.
اشتراطات تسليم مُرهِقة: مقدمات، وحجز، وانتظار.
زبائن تضطر للانتظار يومين أو ثلاثة للحصول على سبيكة، بينما يرتفع السعر في هذه الفترة 100 أو 200 جنيه للجرام.
هذا الواقع يؤكده – من زاوية مختلفة – سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة» لتداول الذهب، الذي يعترف بوجود تأخير واضح في تسليم السبائك قد يمتد لأكثر من أسبوع، بل ثلاثة أسابيع في بعض الحالات، بسبب زيادة الطلب مقارنة بالمعروض. ومع أنه يحاول تهدئة الصورة قائلًا إن الوضع «ضغط مؤقت» لا «أزمة»، فإن مجرد اضطرار مدّخر صغير للانتظار أسابيع وهو يرى الأسعار تقفز أمام عينيه، كافٍ ليحوّل «الادخار الآمن» إلى توتر يومي ومقامرة مفتوحة.
تاجر آخر في سوق الصاغة – يفضّل عدم ذكر اسمه – يلخص المعاناة بمرارة:
«العميل يظن أننا نخزّن السبائك ونلعب بالأسعار، والحقيقة أننا مثلهم ضحية. نستلم كميات أقل، ونتحمل غضب الزبون، بينما من يحدد الحصة والسعر يجلس في مكتبه بعيدًا عن النار».
في ظل هذه الصورة، يغيب أي حديث عن تدخل واضح من الجهات الرقابية لضبط العلاقة بين الشركات المنتِجة والتجار، أو فرض قواعد شفافة للتسعير والتوزيع، ليظل التاجر في الواجهة والزبون في حالة شك، والسوق كلها في حالة غليان.
«سلوك استهلاكي مندفع» أم فقدان ثقة في الجنيه؟ من المتهم الحقيقي؟
رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، هاني ميلاد، يقدّم تفسيرًا مختلفًا جذريًا: فبرأيه الطاقة الإنتاجية للسبائك «كافية»، والمشكلة الحقيقية في «السلوك الاستهلاكي المندفع» الذي خلق إحساسًا بوجود نقص في المعروض؛ أي أن المواطن الذي يهرب من الجنيه إلى الذهب هربًا من التضخم والقرارات المفاجئة، هو المتهم الأول في "تكديس" السبائك وتوتير السوق.
هذه الرواية يرفضها خبير الذهب المستقل، معتبرًا أنها قلبٌ للمعادلة وتحميلٌ للضحية مسؤولية جريمة لم يرتكبها؛ فالسلوك الاستهلاكي لا ينفصل عن البيئة الاقتصادية التي خلقها نفس النظام الذي يتحدث عن «اندفاع». عندما تحرق السياسات النقدية قيمة العملة، ويرى المواطن مدّخراته تتبخر، يكون من الطبيعي أن يبحث عن بديل يحمي قوته مستقبلًا، سواء كان ذهبًا أو دولارًا أو حتى مخزون سلع.
سعيد إمبابي نفسه يعترف بأن السبائك تحظى بإقبال قوي باعتبارها «أداة ادخار واستثمار مباشر وسهلة التداول»، بينما يظل الطلب على المشغولات أهدأ بسبب كلفة المصنعية والأحجار. هذا يعني أن ما يسمّى "اندفاعًا" هو في الحقيقة تحوّل واعٍ من الاستهلاك إلى الادخار في الذهب الخام.
أما الحديث عن «استقرار نسبي» في الأسعار خلال الأيام المقبلة مع احتمال ارتفاعات تدريجية على المدى الطويل، فليس أكثر من صيغة أخرى تقول للمواطن:
«استعدوا لمزيد من الغلاء.. لكن لا نسميه أزمة، بل حركة طبيعية للسوق».
بين أربعة أصوات من قلب السوق – تاجر يصرخ من نقص المعروض، مدير منصة يؤكد تأخير التسليم، رئيس شعبة يلوم المستهلك، وخبير يرى أن المشكلة في بنية السياسات لا في سلوك الناس – تبدو الحقيقة أبسط وأقسى:
لدينا سوق ذهب تُدار بالندرة والضبابية، في اقتصاد فقدت فيه العملة ثقة أصحابها، ولا دولة تتحمل مسؤوليتها في حماية المدّخر الصغير من لعبة سبائك تُباع له على أنها «أمان» بينما تُسعَّر كل يوم على هواها.

